جميل فتحي الهمامي
جميل فتحي الهمامي
274

هل كان دانتي صديق المعرّي؟

18/7/2018

لقد بدأت رحلة الجحيم، على الباب كتب: الطريق إلى حيث أتى القوم المجرمون، فيا أيها الداخلون من بابي أتركوا كل أملٍ قبل دخولكم. هكذا عبّر الكاتب والشاعر الإيطالي دانتي عن رؤيته الملحمية لعالم الآخرة من منظور الديانة المسيحية في كتابه الشهير الكوميديا الإلهية التي تنقسم إلى ثلاثة أجزاء الجحيم والمطهّر والفردوس. لكن هذه الملهاة لم تكن الوحيدة التي قاربت الجانب الغيبي في حياة الإنسان، فقد قابلها في المدوّنة الأدبية العربية كتاب رسالة الغفران لأبي العلاء المعرّي.


نشير في بداية هذا المقال إلى إنّنا لا نسعى للمقارنة بين الكوميديا الإلهية لدانتي ورسالة الغفران للمعرّي، فمسألة المقارنة صارت موضوعا مستهلكا إلى حدّ الترهّل. لكن من باب التقاء النتاجين في نفس الطريق سنعمد إلى تسليط الضوء على نقاط الالتقاء والاختلاف في كلا الكتابين حتّى تتضح مسألة الناسخ والمنسوخ في أسبقية التعرّض لموضوع الآخرة على مستوى الكتابة السردية.

 

رسالة الغفران رسالة نثريّة أفسد من جمالها الغلو اللّغوي، والبحث النّحوي، وشيء من التّكلّف، وهي تعتمد على اقتباسٍ كثير، واستشهاد كثير، واصطناع الأسلوب القصصي التّعليمي

تبدأ الملحمة منذ ضياع دانتي في الطّريق، وهو في منتصف العمر، فيجد نفسه في غابة مظلمة هي رمز الضّلال، ويبحث عن مخرج، فيرى جبلا رائعا، تشرق الشمس فوقه ليكون رمز المحبّة الإلهية، ثمّ يحاول تسلّقه، فلا يستطيع.. لأنّ دونه فهدا هو رمز الخداع، وأسدا هو رمز العدو، وذئبة هي رمز الشّهوة، فيهرب منهم جميعا، لكن يظهر له شبح فرجيل الذي هو رمز العقل، ويخبره أنّه لن يستطيع متابعة الطّريق من هذه النّاحية، ويرشده إلى طريق آخر يمر بالجحيم ثمّ بالمطهر، وعندها يتركه لمن هو أجدر منه ليصحبه إلى الفردوس، يتركه لبياتريس الذي هو رمز الإيمان، فيرتدّ دانتي، ومن ثمّ يرجع ليسير مع أستاذه فرجيل.

 

تلتقي هذه الزاوية من السرد القصصي مع فاتحة رسالة الغفران للمعرّي حيث تبدأ بنهوض ابن القارح من القبر تلبية لنافخ الصّور أرافيل الملك، كما لبّى سكان القبور امر نافخ الصّور، والفصل فصل عراك وكفاح لهذا الرّجل الذّي يريد منه أن ينتهي إلى الجنّة بعد الشّفاعة والمغفرة. وفي الجنّة يجتمع إلى أهلها وبعض سكانها، ثمّ يعرج على النّار، فيتحدّث إلى من لم تشملهم المغفرة.

 

أما من الناحية الأسلوبية فرسالة الغفران رسالة نثريّة أفسد من جمالها الغلو اللّغوي، والبحث النّحوي، وشيء من التّكلّف، وهي تعتمد على اقتباسٍ كثير، واستشهاد كثير، واصطناع الأسلوب القصصي التّعليمي محمولا على الخيال المبدع والسخرية اللاذعة، والاستقصاء الأدبي الجامع، فهو أسلوب المعرّي في رسالة الغفران، وهو يؤثر الصعوبة والمتانة والتعمق اللّغوي والسّجع ولزوم ما يلزم، والتفنن اللّفظي والمعنوي، وحشد المعرفة. والتعقيد اللّغوي هو الميزة الأسلوبية الأخرى للمعرّي في رسالته، وهذا ليس بالجديد عليه، فهو يعد زعيم مذهب التصنّع في زمنه، تحديدا في عصرٍ شهد تطورا حضاريا، وغدت الكتابة فيه كسائر فنون العصر معقّدة في قواعدها وأساليبها.

 

دانتي يجعل شعره فيّاضا بالحياة وبالمفاجأة، والاقتراب التّدريجي من الهدف، وبالضّوء، واللون، والصوت، والحركة، والحوار. واستخدم الاستعارة والتشبيه والرمز بفنّ عظيم

مواقع التواصل
 

ولعلّ التّعقيد له أكثر من مسوّغ في أدب المعرّي، فهو من جهة حبيس بيته لخمسين سنة، فماذا يفعل في خلال ذلك سوى الفزع إلى ضروب العبث في فنّه، وإنّها لضروب تؤدّيه إلى التّعقيد اللّغوي. أمّا الكوميديا الإلهية لدانتي فتعتمد على لغة دقيقة محدّدة، لا زخرف ولا صناعة في شعره، وكلماته دقيقة مختارة، وأسلوبه موجز مركّز.

 

كما أنّ دانتي يجعل شعره فيّاضا بالحياة وبالمفاجأة، والاقتراب التّدريجي من الهدف، وبالضّوء، واللون، والصوت، والحركة، والحوار. واستخدم الاستعارة والتشبيه والرمز بفنّ عظيم. ولم يتّخذ رموزه من المعاني المجرّدة، بل من الأحياء الذّين يشعرون ويتكلّمون ويتحرّكون، ومن الحيوانات والنّباتات ومظاهر الطّبيعة. والسّخرية تظهر بشكلٍ واضح في الكوميديا، وقد تكون مبطّنة أو ظاهرة على السّطح، ولا سيما عندما يتعلّق الأمر بالبابوات الذّين حشرهم في الدّرك الأسفل من جهنّم، وكذلك عندما يتحدّث عن خصومه السّياسيين، والحكّام الطّغاة.


في الختام، لعلّ القارئ يستشعر في كلا الكتابين فكرة مقاومة الرؤية الضيقة للدين التي ظهرت في عصر المعرّي ودانتي من سيطرة رجال الدين على العقل البشري وفرض الوصاية عليه تحت تأثير المقدّس، ممّا خلق جيلا متخلّفا غير قادر على التفكير. فبعد هذا الكم الهائل من نقاط الالتقاء بين دانتي والمعرّي في نسج كتابيهما لنا أن نسأل: هل كان دانتي والمعرّي صديقين؟

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة