د. كمال المصري
د. كمال المصري
111

كيف استثمر القطاع الخاص قرار قيادة المرأة في السعودية؟

2/7/2018

في يوم الثلاثاء 6 محرم عام 1439هـ الموافق 26سبتمبر/أيلول عام2017م أصدر الملك سلمان بن عبد العزيز ملك المملكة العربية السعودية قراراً بالسماح للمرأة في السعودية بالقيادة. وقد أكد القرار على أن بدء تنفيذ الأمر الملكي سيكون في العاشر من شوال عام 1439هـ أي ما يوافق 24 (يونيو/حزيران) 2018م، وبناء على هذا الأمر الملكي بدأ تنفيذ القرار بالفعل الأحد الماضي.

 

قراءات في أسباب القرار

حمل هذا القرار منذ صدوره وحتى بدء تنفيذه قراءات عدة؛ منها ما يقدم دلالات عن الوضع الحالي الذي تمر به السعودية، ومنها ما هو مؤشر لرؤية حول ما هو قادم بالنسبة للمملكة؛ أبرزها باختصار:

 
- وسيلة إلهاء وتغطية: عن الأحداث الواقعة داخل السعودية وخارجها، والتي كان منها داخليًّا اعتقال لعدد كبير من الشخصيات ذات الثقل في المملكة؛ ومنهم الشيوخ والمثقفين والاقتصاديين والناشطين والناشطات وخلاف ذلك. ومن الأحداث الواقعة خارج السعودية التصاعد الحقوقي والإعلامي الذي يتحدث عن تجاوزات السعودية تجاه حقوق الإنسان؛ كإصدار مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة قائمة سوداء لدول تقوم بإجراءات انتقامية ضد ناشطي حقوق الإنسان، وتضمنت هذه القائمة السعودية؛ ثم أعاد الأمين العام للأمم المتحدة أنتونيو غوتيريش هذا الإدراج يوم الثلاثاء الماضي. كما طالبت منظمات عدة على رأسها "هيومن رايتس ووتش" و"منظمة العفو الدولية" بتعليق عضوية السعودية في الأمم المتحدة، إضافة إلى منظمات حقوقية أخرى تحدثت عن تجاوزات السعودية في الداخل وفي اليمن.

 

يعتبر قرار منح المرأة حق قيادة السيارة بنفسها أحد تجليات "تحرير المرأة" المستهدف في رؤية "السعودية 2030"، وفي إطار رؤية محمد بن سلمان لتغييرات سياسية واجتماعية واسعة في السعودية

- الوضع الاقتصادي: حيث سبق الاعتقالات السابقة الضغط الاقتصادي الذي تعاني منه المملكة السعودية إثر العجز الذي تعاني منه السعودية والذي بلغ في ميزانية 2016م 79مليار دولار. وفي السياق ذاته ما دار من حديث من أن هناك توجه لبيع "أرامكو" التي تُعَدُّ أكبر شركة لإنتاج النفط في العالم، وهي نبع السعودية النفطي، وتكاد تُعتبر مصدر العائد الوحيد للدولة السعودية. وتظهر في الأفق كذلك "عاصفة الحزم" التي قادت فيه السعودية التحالف العربي لمحاربة الحوثيين في اليمن وتكلفتها الباهظة والتي بلا أفق واضح لموعد انتهائها.
 

يضاف إلى ما سبق، ما لا يمكن إنكاره من وجود خسائر اقتصادية نجمت عن مقاطعة السعودية لقطر؛ إذ إن قطر استوردت ما يزيد على 5 مليار دولار عام 2016م من دول الخليج العربي؛ استحوذت السعودية وحدها على ما يقارب 50 بالمائة منها. هذا الوضع الاقتصادي المتأزم في السعودية يطرح تساؤلاً عن دور هذا الوضع الاقتصادي في السماح للمرأة بالقيادة؛ فهل هذا الضغط الاقتصادي يتطلب إعطاء حرية أكبر للمرأة كي تخرج للعمل، وعدم وجود أية معوقات تعطلها عن هذا الخروج؟ وهل سينضم المجتمع السعودي إلى المجتمعات التي غدت فيها المرأة عاملة جنباً إلى جنب مع الرجل؟

 
ما يؤكد هذه النظرة تصريح الأمير محمد بن سلمان في مؤتمره الصحفي الشارح لرؤية "السعودية 2030" في أبريل/نيسان2017م، والذي قال فيه: "لا شك المرأة عملها مهم جدًّا، وهي نصف المجتمع، ولابد أن تكون فعالة ومنتجة"، وهي إشارة واضحة إلى توجه المجتمع السعودي إلى مجتمع المرأة العاملة. وكذلك تأكيد السفير السعودي لدى واشنطن خالد بن سلمان بن عبد العزيز في تصريحه ليلة صدور القرار من أن منح المرأة السعودية حق قيادة السيارة ليس مجرد تغيير اجتماعي؛ وإنما هو جزء من مسيرة الإصلاح الاقتصادية. كل ما سبق جعل كثير من المراقبين يرون أن قرار السماح للمرأة للقيادة بالسعودية هو محاولة إشراك المرأة في تخفيف الضغط الاقتصادي.

   

 

- يعتبر قرار منح المرأة حق قيادة السيارة بنفسها أحد تجليات "تحرير المرأة" المستهدف في رؤية "السعودية 2030"، وفي إطار رؤية محمد بن سلمان لتغييرات سياسية واجتماعية واسعة في السعودية، التي صرح بها في المؤتمر الصحفي المشار إليه آنفاً بقوله: "لا شك المرأة عملها مهم جدًّا، وهي نصف المجتمع، ولا بد أن تكون فعالة ومنتجة". ويؤكد ذلك ما أشار إليه السفير السعودي في واشنطن خالد بن سلمان بقوله: "قيادتنا ترى أن الوقت مناسب لإجراء هذا التغيير لأنه لدينا في السعودية مجتمع منفتح وديناميكي وشاب"، مشيراً إلى أنه "ليس هناك توقيت خاطئ للقيام بأمر صائب".

 

ويأتي في السياق ذاته ما سبق هذا القرار بأيام من مشاركة المرأة في احتفالات اليوم الوطني للسعودية ثم ظهورها في مدرجات ملاعب كرة القدم داخليًّا وخارجيًّا وآخرها مونديال روسيا. وهذه كلها مؤشرات تؤكد علاقة قرار قيادة المرأة في السعودية برؤية محمد بن سلمان "السعودية 2030". كيف استثمر القطاع الخاص القرار؟ هذه كلها تداعيات توضح ما وراء هذا القرار؛ غير أن ما أود التركيز عليه في هذا المقال هو كيف استقبل القطاع الخاص هذا القرار؟ وكيف حاول استثماره دعائيًّا؟ 

 
في هذا الاستثمار رصدنا عدة مشاهد منها:
الأول: أن هناك استعداداً من قِبل الشركات للبدء في حملاتهم الإعلانية بمجرد الإعلان عن بدء تنفيذ القرار، بل وقبل الإعلان؛ إذ إن إعلانات قد ظهرت بأشكال متعددة ممهدة لصدور القرار، ثم ما إن صدر القرار كانت الحملات الإعلانية بأنواعها.

 
الثاني: أن جميع الشركات قد اتفقت على الترحيب بالقرار، ما يشير إلى استثمار التوجه العام في السعودية، ولا خلاف في ذلك بين الإعلانات القادمة من الشركات التي لها ارتباط وثيق بموضوع القيادة؛ كشركات السيارات، وشركات التوصيل، أو الشركات التي ليس لها ذلك الارتباط كشركة كوكاكولا للمشروبات الغازية وشركة زين للاتصالات وشركة شيكولاتة جالكسي.

  

 
الثالث: لا يخفى أن الجانب الاقتصادي له دور في أسباب هذه الإعلانات؛ وهو ما بدا واضحاً في إعلانات كريم وأوبر؛ حيث كانت الرسالة فيها واضحة عبر دعوة المرأة للمشاركة كسائقات في الشركتين، وهو ما يؤكد ما أشرنا إليه آنفاً من حاجة المجتمع السعودي للمرأة العاملة، وتأكيد قول محمد بن سلمان عن أن المرأة "لا بد أن تكون فعالة ومنتجة"، واعتبار خالد بن سلمان أن منح المرأة السعودية حق قيادة السيارة هو جزء من مسيرة الإصلاح الاقتصادية.

 
الرابع: يلاحظ في بعض الإعلانات استخدام العوامل الاجتماعية؛ فإعلان كوكاكولا يظهر أن الوالد هو من يعلم ابنته القيادة، وإعلان زين يضع امرأة تقود سيارتها وسط مجموعة من السيارات التي يقودها رجال؛ في إشارة واضحة إلى وجود تغير في المجتمع حيث هناك حالة من "الاختلاط المجتمعي" لم يعهدها المجتمع السعودي، وفي السياق ذاته يظهر في إعلان أوبر حوار بين قائدة سيارة وشخص تقوم بتوصيله، وقد اتسم الحوار بالودية وربما الحميمية بعض الشيء.

  

 
وبالمناسبة فقد أثار إعلان أوبر غضب شريحة كبيرة من المجتمع السعودي التي اعتبرت ظهور المرأة بهذا الشكل هو إساءة للمرأة السعودية واستغلال للقرار الملكي الهادف لحصول المرأة على حقوقها؛ وهو ما حدا بالإعلامية السعودية منيرة المشخص أن تقول: "لهنا وبس عاد كافي ترى زودوها بزيادة هذي تعتبر أكبر إساءة للفتاة السعودية يفترض محاسبة الشركة على هالمسخره هذا مو اسمه تسويق هذا اسمه تسفيه عيييييييب من جد هذا قرار بامر سامي احترموا القرار ومن أصدره وين وزارة التجارة عن هذا". وهذا الغضب استدعى أن يتبرأ المتحدث الرسمي باسم وزارة التجارة السعودية عبد الرحمن الحسين من الإعلان مؤكداً أن هذا الإعلان خارج اختصاص الوزارة، ويقع تحت اختصاص وزارة النقل ووزارة الإعلام.

 
الخامسة: وهي النقطة الأهم، أن الإعلانات كلها انصبت على فكرة أن الأمر تعدى مجرد قيادة سيارة ليصل إلى قيادة مجتمع، وبدا هذا بارزاً في شعارات "Slogans" معظم الإعلانات؛ ففي إعلان كاديلاك وجدنا عبارة: "أريهم معنى قيادة العالم للأمام "Show them what it means to drive the world forward"  وفي إعلان سيارات كيا: "مستقبلك بين يديك"، وفي إعلان سيارات فولسكواجن نجد شعار: "إنه دوري""my turn"، وفي إعلان كريم كان الشعار: "جاء دورك في الميدان استلمي الكابتنية"، وفي إعلان شيكولاتة جالكسي: "الطريق ملعبك.. اختاري لحظتك".

 
لا شك أن قرار قيادة المرأة أكبر من كونه مجرد قرار كان من الطبيعي أن يحدث؛ بل إن وجوده لا معنى له، لأن أصل الموضوع، وهو منع قيادة المرأة، ما كان ليكون لأنه يخالف العقل والمنطق والدين، هذا بالطبع بعيداً عن فتاوى شيوخ السعودية التي تتغير بحسب تغير "القرار السامي"!. قرار قيادة المرأة مجرد مقدمة لأحداث أكبر وأعظم وأشمل، وهو البوابة التي بفتحها فُتحت عوالم جديدة لن تؤثر على السعودية فقط، بل العالم كله، وستغيِّر في هذا كله. وهذا ما أدركه القطاع الخاص؛ فأراد أن يواكب هذا التغيير، وأن يستثمر قرار قيادة المرأة بأسرع وقت، وأقرب فرصة؛ ليعود عليهم بأكبر فائدة اقتصادية ممكنة.


وما زال الأمر في بداياته بالنسبة للقطاع الخاص سواء من حيث الإعلانات أو أفكارها أو طريقة تنفيذها أو أسلوب عرضها، وقد يكون ما يأتي أعظم وأكبر، وغالباً أجرأ وأجرأ و أجرأ.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة