نُخبة الفيسبوك.. وصناعة القطيع!

21/7/2018

تتجلّى ظاهرة صناعة القطيع في مواقع التواصل الاجتماعي بشكل عام من خلال مجموعة من السلوكيات التي يقوم بها بعض من اكتسبوا نفوذا جماهيريا فتصدّروا مشهد نُخبة المجتمع على اختلاف مشارب هذه النُخب وتوجهاتهم (النخبة السياسية، النخبة الدينية، النخبة العلمانية، النخبة الثقافية، … إلخ)، أولئك الذين انبروا لتحليل الأحداث في محاولة منهم لزرع بذور الوعي في عقول النّاس والذين يملكون قوّة تأثيرية كبرى على الرأي العام أو الذين ترجع إليهم الجماهير للاستنارة بآرائهم عند الخطوب والمدلهمات.. إذ يكفي أن يطّلع أحدنا على صفحات هؤلاء وطريقة مخاطبتهم لمريديهم وردودهم على متابعيهم ليعرف أنّهم يصنعون قطيعا تابعا لا فكرا حُرا وعقلا مستنيرا كما يدّعون ذلك سواء أشعروا بذلك أم لم يشعروا.

فإذا ما كتب أحدهم منشورا ينتقد فيه تكبّر المسؤولين وعنجهية الموظفين الحكوميين.. تجده يردّ على من يخالفه الرأي وفي نفس المنشور: هل تعرف من تُخاطب؟ – تعلّم ثم تكلّم ليقع في المحظور الذي كان يندّد به! وإذا ما كتب مقالا عن حرية الرأي والتعبير يسارع بحظر كل من خالفه بنصف كلمة بعد المقال مباشرة.. فإن كان الموضوع دينيا كفّر وفسّق كل من يخالف فتواه ويرى رأيا غير هذا الرأي الذي يراه كأنّ قوله الحقّ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.. أما إن كان الموضوع علمانيا فتراه يلمز المسلمين ويستهزئ بهم وبشعائرهم كأن موضوعه لا يكتمل إلا بانتقاص الطرف المقابل.. والأنكى أنّك تجد من يتكلم عن الفقر يسبّ الأغنياء ومن يتكلّم عن الجنوب يلعن الشمال كأنهم يبحثون عن أسباب للتفرقة وإن لم تُخلق بعد وعن مناوئين يُلصقون بهم سبب تخلف الأمة وإن لم يجدوا غير أنفسهم.

النُخب لا تحقق شيئاً من أهدافها وأفكارها إلا بصناعة وعي حقيقي يجسّد مبدأ اختلاف الرأي لا يفسد للودّ قضية، فالذي يخالف رأيك السياسي ليس معنى هذا أنه خائن

ثم بعد هذا كلّه على كلّ المتابعين لصفحته أن يُحنوا رؤوسهم معجبين وأن يُعلّقوا على كلامه موافقين، من لم يفعل ذلك وأعلن مخالفته لرأيه فإن لم يحظره أو يتّهمه بالجهل فعلى الأقل أهمل تعليقه استخفافا وتجاهله ازدراء في انتقاص مبطّن كأنما هو غير كفؤ ليردّ عليه وعلى أمثاله، ليقف هذا المخالف وحده بعدها مشدوها من الطّعان التي تأتيه من كل حدب وصوب من القطيع الذي صنعه صاحبنا، يتّخذونه هزوا ويناله منهم من التسفيه والتحقير ما الله به عليم مردّدين كلمة واحدة اتّفقوا عليها جميعا “من أنت لتخالف سيّدنا ومولانا” في حركة تشبه كثيرا حركة القطيع عندما یقومون بالتصرف بسلوك الجماعة التي ینتمون لھا دون كثیر من التفكیر أو التخطیط.

فريثما يشعر ذاك المخالف بغربته وإن كان مُحقا فيحنّ للعودة إلى صفوف الجماهير بعد أن يشعر بأن ضميره يأنّبه لشروده عن القطيع، حتّى إذا ما راودته فكرة تخالف رأي الأغلبية مستقبلا خاف خروجها وأسرع بوأدها كي لا يُتّهم في عقله. إذن صنعوا منه تابعا ذليلا لا يجرؤ على أن يُصادم أحدا في رأيه، فكأنّما لم يكفهم غبن حريته من قبل المستبدّ حتى زادوا عليه فغُبن أيضا في إبداء رأيه، لكن المفارقة أنّ هذه المرّة كان غُبنه من طرف نخبة تزعم محاربتها المستبدّ الأوّل.

وهنا يمكن القول أنّ المستبدّين وإن كانوا قد تكفّلوا بصناعة الجلّاد وعلّموه كيف يُمسك السوط وكيف يُبكي، فإن نُخبنا المزعومة نجحت نجاحا باهرا في صناعة الضحيّة الذي يرضخ لذاك الجلّاد إذ صنعت قطيعا ليس له من همّه إلا أن يُحني رأسه في خضوع ويوافق ثمّ يتباكى.

لأنّنا إذا رجعنا إلى تعريف النُخبة الحقّة علمنا أن أزمتنا في نخبتنا قبل أن تكون أيّ شيء آخر وأنّ نُخبنا المتصدرة للمشهد اليوم هم مجرد مهرجون إلا من رحم ربّك.. مهرجون بأنوف حمراء لا فضل لأنف على أنف وإنّهم وإن ظنّوا أنفسهم ما ظنّوا فإنهم ليسوا إلا محض أطياف لا تلبث حتى تختفي وتنزوي وإن لم تُراوح مكانها، لأنّ الفكرة التي تُفرض بالقوة لا تُعدّ بذور وعي بقدر ما هي استبداد فكري وتفرّد بالرأي الواحد.. إنهم يصنعون قطيعا وإن كان ذلك بجهل منهم أو بحسن نيّة، لأن الذي ألجموه بلجام الإذعان لهم اليوم .. سيُذعن ولا ريب لمن هو أعلى منهم شأنا ومقاما غدا..

عندما ندرك معنى اختلاف وجهات النظر ونحترم الرأي الآخر ونتقبله ونناقشه بهدوء ورويّة.. عندها فقط يمكننا أن نقول أننا زرعنا البذرة الأولى للوعي

مواقع التواصل
 

إنّ النُخب لا تحقق شيئاً من أهدافها وأفكارها إلا بصناعة وعي حقيقي يجسّد مبدأ اختلاف الرأي لا يفسد للودّ قضية، فالذي يخالف رأيك السياسي ليس معنى هذا أنه خائن يكره وطنه وأنّك الوطني الوحيد.. فقط اختلفت زاويتا نظرتكما للإصلاح.. والذي يعارض فتواك لا يعني أنّه يكره الدين أو يطعن في الإسلام كما لا يعني أيضا أن الله قد أرسلك لتجدّد لهم أمر دينهم فقط هو يتبنّى مذهبا آخر غير الذي تتبنّاه.. وأن من يخالفك الرأي ليس معناه أنه يُعاديك، هو فقط يختلف معك في عُمق الفكرة بغض النظر عن أيّ منما الأصحّ، فلا أنت معصوم عن الخطأ فلا زلل عندك ولا الآخر جُبل على الخطأ فلا صواب عنده.

عندما ندرك معنى اختلاف وجهات النظر ونحترم الرأي الآخر ونتقبله ونناقشه بهدوء ورويّة.. عندها فقط يمكننا أن نقول أننا زرعنا البذرة الأولى للوعي.. فعلى نُخبنا أن تزرع في ذهن الجمهور أن من حقّه أن يعارض أيّا كان ومن حقه أن يُبدي رأيه بوضوح في أيّ مكان وإن كان رأيه هذا مُخالفا لكل آراء الدنيا.. أما والتبليغ عن صفحات المخالفين قائم لحد اللحظة من طرف النُخبة، وتهديدات حذف المخالفين مستمرّة ما تعاقب الليل والنهار، فإنني أستطيع الجزم أننا نسير في نفق مظلم لا ضوء في آخره.. إلا أن نقرّر غير ذلك.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة