الرغبة أخت الوقت.. وتوأم الحقيقة

22/7/2018

هذا ما وشت به البئر وحملتني عبء كتمانه بدلاً منها، فلا شيء يدهشني بقدر الرغبة، أو يخيفني بقدر الوقت. ثمة رغبات تسبح في محيط العمر دون مرسى وثمة وقت على عجل من أمره، يسافر دون وداع، بلا عودة، حاملا معه وعودا خبيثة دون وفاء متجاهلا كل قرابين الأدعية والأمنيات. وخلف الوقت والرغبة من يعيش لعنة الانتظار.

  

التقيت بمعلمتي، كانت تدرس اللغة العربية، وكنت أقدر حبها للغة وخوفها الشديد عليها منا، كانت صديقة لجميع الطالبات وتوأم اللغة. التقينا دون ترتيب، دون تفكير، طلبت منها أن نلتقي، احتجت إلى دقيقة واحدة فقط لأطلبها على هاتفها النقال، لقاؤنا كان مليئاً بالشوق والثرثرة وغزل مسترسل باللغة، كنا نمارس لعبة التسويف ونوهم بعضنا بأننا سنلتقي الأسبوع القادم، وَهمٌ ركض بنا أسبوعا وراء أسبوعٍ، والتقينا بعد سنة ونصف.

  

أكنّا طوال هذا الوقت على بُعد كلمتين عبر الهاتف؟ أتحتاج رغبة بسيطة كهذه إلى حرب باردة مع الوقت ومباغتة؟ لعلنا فزنا في هذه الجولة والتقينا، ولكن ماذا عن السنة ونصف التي ذهبت إلى الأسر ولابد أن الزمن حكم بإعدامها فلن تعود إلينا.

  

حاصرتني الأفكار اللوامة، وكلما حاولت أن أجمعها في غرفة بعيدة جداً من تفكيري وأغلق الباب عليها، هاجمتني من جديد وأنّبتني بعنف، كانت تنتصر علي فحجتها أقوى، فأنا من أضعت عدداً لا يحصى من اللقاءات كانت ستمنحني السعادة ذاتها التي شعرت بها حين التقينا، فما كان مني إلا أن أستعجلها ببعض الرأفة، لومها لم ينحصر بشأن لقائي بمعلمتي، بل كان عامّاً فكثير من الفرص يحتاج اقتناصها لدقائق معدودة وقرار.

   

إن أقصر طريق لتحقيق رغبتك هي أن تخطو خطوتك الأولى نحوها.. الآن.. وإن أبعد طريق إليها هو أن تسرف في التفكير بها

توصل علماء النفس والباحثون إلى أن معظم الناس وفي مرحلة متقدمة من العمر، يشعرون بالندم لعدم تحقيق رغبات كان بإمكانهم تحقيقها لو أسعفتهم قراراتهم وملكوا الشجاعة لتغيير حياتهم، أو اختيار النهج الذي طالما تمنوه، بعض رغباتهم كانت لا تتعدى لقاء أصدقاء، أو تمضية وقت أكثر مع من يحبون وبناء أسرة، أو حتى ممارسة رياضة أو موهبة، ولأن السنوات الأخيرة هي الأكثر نضجاً والأغرب أنها الأكثر صدقاً، كان الندم يأسر الأغلبية فتقع في نفس الفخ، والقلة كانت تبدأ من جديد لإيمانها بأن مزيدا من الأيام تعني مزيدا من الفرص.

  

إن كان تحقيق الحاجات الأساسية يضمن بقاء الإنسان، أفلا يضمن تحقيق الرغبة بقاء الإنسانية وتساميها؟ ما يميز الرغبة أنها مرتبطة بقرار، تجاهلها أو بذل المستحيل لتحقيها إنما هو قرار، وإلا فما الذي دعا الفيلسوف الألماني شوبنهور لأن يتوصل إلى أن "العقل مجرد خادم للرغبة"؟

 

عيب الوقت أنه لا يملك أدوات تنظمه مثلنا، ليس لديه إشارة مرور ولا لوحة تسمح له بإعادة الالتفاف ليعود إلى نفس الطريق، لعل هيراقليطيس حين نبهنا باستحالة الاستحمام بمياة النهر مرتين، لم يقصد النهر فقط!

إن أقصر طريق لتحقيق رغبتك هي أن تخطو خطوتك الأولى نحوها.. الآن.. وإن أبعد طريق إليها هو أن تسرف في التفكير بها، ذلك أن الرغبة تعني أن تملك قوة ترمي بها ذاكرة هزائمك من أعلى قمم النسيان، وتبدأ من جديد، فلا شيء يهزمنا مثل الوقت.

 

نحن نملك متسعاً من الرغبة والقليل القليل من الوقت. هناك عند غروب الزمن، تبقى وحيداً مع رغبة كان يمكن أن تتحقق، مع رغبة معلقة على عقرب الوقت.. نحن نحارب الوقت بالتمني، وهو بالتمني يضيع. هل نلائم رغباتنا وأحلامنا لما لدينا من وقت، أم نلائم ما فاتنا من وقت لأحلامنا؟ وهل من شيء يجمعنا حقا غير أننا ولدنا صدفة في هذا الوقت من تاريخ العالم؟ من يلعب النرد بأقدارنا؟

 

أسئلة لا تبحث عن إجابات بل عن بعض الوقت.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة