بثينة مقراني
بثينة مقراني
1.2 k

وإن يَسْتَعْفِفْنَ خيرٌ لَهُنْ.. (2)

23/7/2018

كثُرت الفتن ووسائل التحريض الّتي تستميل قلوب الفتيات ليبغضن الحشمة والستر، ويعشقن ملابس الموضة وآخر الصيحات، فهناك من مال قلبُها واستسلمت واستكانت لهذه الفتن وهناك من ماتزال صامدة بشموخ لم تحركها ريح ولم تهزها فتن. وكثيراتٌ منّا من غرقن في بحر المعاصي وحبّ الفتن ولم يحن الوقت بعد لأن يهديها الله إلى طريقه المستقيم، وهناك من حباها اللّه بنوره وانتشلها من بحر الآثام والذّنوب إلى برّ الطاعات والعمل بأوامره ونواهيه.

  

لكن، على المرء منّا ألّا ينسى ماضيه لكيلا يعيد آثامه أو يعيب من لم يهده اللّه بعد، فليس منّا من لم يخطئ، الفرق في أنّ بعضنا استفاق من أخطائه بمشيئة الله تعالى والبعض لم يستفق بعد لأنّ الله لم يهده بعد، لقوله سبحانه وتعالى: "يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ" المدثر:31، فالمقصود بقوله تعالى هنا أنّه هو الذي يهدي من يشاء سبحانه وتعالى وأنّ الهداية بيده جل وعلا يهدي من يشاء ويضل من يشاء، ليس بيد العبد، فالعبد ليس بيده إلا دعاء الله والضراعة إليه، والعمل بطاعته، ويقول أيضًا جلّ جلاله: "كُلُكُم ضَال إلَّا منْ هَدَيْتُه فاسْتَهْدُونِي أهْدِكُم"، هكذا جاء في الحديث الصحيح القدسي، فالمؤمن والعبد يسأل ربه الهداية والتوفيق والصلاح، ويحرص على أسباب الخير.

   
فليس لنا الحق مهما بلغت درجة إيمانُنا وتديُنِنا أنْ نُحاسِب غيرِنا على ضلالِهم بكلماتٍ منفرةٍ تقلّل من قدرهم، فكما جاء علينا يوم واجتبانا اللّه بنوره وهدايته قد يأتينا يومٌ ونعود لطريق المعصية والآثام. فهنالِك الكثيرات اللّواتي بعدما لمست الهداية قلوبهُنّ سلكن طريقًا غير سوي لنُصح وارشاد غيرهِن ممّن لاتزال على ضلاله، فليس في الأمر ضرر أن تنصح منّا الأخرى لترشِدها إلى الطريق الصحيح لكن الضرر في طريقة النّصح، لقوله تعالى في سورة النّحل: "ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ".

  

العفاف ليس بالأمر الهيّن على الإطلاق وعلى المتحجبة منّا أن تحترم حجابها وتكفّ عن فعل المعاصي والتنظير أمام الأخريات بكلام فارغ يخلو من الأفعال

فلا إكراه في الدّين، وعلى المرء أن يتقن فنّ الدعوة والنّصح ليتمكن من استمالة قلوبٍ مازال يكسوها الظلام. صحيح أنّ الحشمة والستر فرض أمر الله به كلّ فتاة مسلِمة إلاّ أنّ طريقة البعض وتصرفاتِهن وكذا احتقارِهن لمن لم يشأ الله أن يهديها بعد تجعلها تنفر أكثر فأكثر من الحجاب والمتحجبات وتحمل في قلبِها نظرة سلبية عن المتحجبات، فلا تزيد بذلك إلاّ الطين بلة. فالدّعوة إلى الله تستلزم منّا تفقهًا في الدّين وخبرة لنتمكّن من الإقناع بالإضافة إلى الأسلوب اللّين والمعاملة الحسنة، فكم من كافِرٍ هداه الله سبحانه وتعالى إلى دين الحق فقط لمعاملة أحد المسلمين له معاملة حسنة جعلته يحبّ الإسلام والمسلمين.

  
كما أنّ تديُّن المرء لا يقاس على مظهره فقط، فكم من متبرجة ملتزمة في تصرفاتِها لا تضيّع فرضًا وتحسِن معاملة غيرِها وتضع حدودًا بينها وبين الرّجال لا ينقُصها من الالتزام سوى الحجاب، بينما هنالِك من لطخت الحجاب بتصرفاتِها من اختلاطٍ والوانٍ زاهية على وجهها تجعل المرء يشمئزّ من مظهرها وتصرفاتِها، فليس للحجاب ذنب بما تفعله البعض من الفتيات بل الذّنب يقع على عاتقهِن فقط. صحيح أنّ الله تعالى فرض علينا الحجاب لكنّ ارتداءه وحده لا يكفي بل الالتزام بأوامره ونواهيه من أساسيات الإيمان الصحيح. فكثيراتٌ هنّ من ارتدين الحجاب بنية غير الّتي يُبدينها حقيقةً بل بأخذ راحتهن وحريتهن والتّصرف كما يحلو لهن، فأمام النّاس ملتزِمات وما خفي كان أعظم.

 
فالعفاف ليس بالأمر الهيّن على الإطلاق وعلى المتحجبة منّا أن تحترم حجابها وتكفّ عن فعل المعاصي والتنظير أمام الأخريات بكلام فارغ يخلو من الأفعال، فالقول يذهب مع الرّيح أمّا الفعل فيرسّخ في الذاكرة فما جعل أصحاب الرّسول صلّ الله عليه وسلّم يعتنقون الإسلام إلاّ لما شهدوه عليه من عملٍ صالح فكما قلت عائشة رضي الله عنها أنّه كان خلقه القرآن، كما قال عنه سمان العودة: "فأفعاله صلى الله عليه وسلم كانت تفسيراً للقرآن، ولهذا وصفه بعضهم بأنه كان قرآناً يدب على وجه الأرض"
   
لذا وجب على المرء منّا أن يتقِن فنّ الدعوة بمعاملاته وتصرفاتِه وأن يكون قدوة لغيره قبل أن يدعو بالمواعظ والكلام فالدّين معاملة.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة