عمرو عبدالرحمن
عمرو عبدالرحمن
185

استعمار الأمس واليوم.. كيف قلب "انقلاب" 52 مصر؟

26/7/2018

بعد نهاية الحرب العالمية الثانية بدأت دول الاستعمار بالتفكير في حل استعماري خبيث، غير مكلف ليها عسكريا واقتصاديا، وغير تقليدي. فكان الحل هو إيهام الشعوب بالاستقلال عن المستعمر بواسطة جنود جيشه الوطني -وفي مفارقة عجيبة أن ضباط هذا الجيش كان يدربهم المستعمر نفسه-. أخذت الاستقلالات تتوالى علي البلاد العربية المحتلة.

  
بعد انتهاء حقبة الاستعمار دخلت البلاد العربية في حقبة الحكم العسكري. فلماذا هذا الانسحاب للمحتل؟ لماذا يترك البلاد والثروات ويذهب من حيث أتى؟ من المؤكد وجود المحتل بجنوده سوف يثير الروح الوطنية لدى الشعب الحر ويدعوه للثورة وللانتقام والمقاومة. لكن لو جاء إلى الحكم مستعمر جديد ولكن من نفس بني جلدتك ويلبس الزي العسكري لجيش بلادك والذي هو رمز لمقاومة المحتل ولشرف الوطن كل هذه الدعوات للثورة والمقاومة والانتقام سوف تخمد تماما، بل من يفكر ويكتشف هذه الخدعة سوف يكون عميل وخائن لهذا الوطن أمام الشعب الجاهل والذي سوف يهلل للقضاء على هؤلاء الخونة العملاء.

  

كان الجنيه المصري قبل انقلاب 52 يساوي 4 دولارات. فانخفض في عهد عبد الناصر إلى 2 ونصف دولار وفي عهد السادات إلى 1 ونصف وفي عهد مبارك أصبح الدولار يساوي 5 ونصف جنيه مصري

ومن هنا أتت فكرة الانقلابات العسكرية. والغريب والجميل في تلك الانقلابات أنها تمت بسلام في وجود المستعمر على أرض الوطن، ولو كان النظام الملكي هو الوحيد التابع للإنجليز -في الحالة المصرية- لتحرك الجيش الإنجليزي للحفاظ على وجوده في البلاد وحمى الملك، فلم يثور هؤلاء الضباط والجنود ضد قوات الاحتلال، ولكن ثاروا من أجل تغيير نظام الحكم. وما إن تمت السيطرة على مفاصل الدولة للانقلابين جاءت المواءمات والاتفاقيات بينهم وبين قوات الاحتلال وتم إجلاء آخر جندي إنجليزي من مصر بعد أربع سنوات كاملة من الانقلاب.

  
أنا لا أقول إن مصر في عهد الملكية كانت جنة، كان هناك تبعية وفساد ومحسوبية وكان الملك يقيل الحكومة بجرة قلم. لكن كل ذلك كان يتم على استحياء. أتى انقلاب 52 وانتقل لفظ الباشا من الملك وحاشيته إلى الضباط والعسكريين. فكل أموال وعقارات الباشوات الذين هربوا من مصر استولي عليها كبار الضباط وزوجاتهم. أصبحت الباشوية مقتصرة على خريجي الكلية الحربية والشرطة والتي لا يدخلها إلا أبناء الضباط أو معارفهم..

  
بعد انقلاب 52 انتهت الحياة السياسية في مصر فألغى جمال عبد الناصر جميع الأحزاب السياسية وانتقل الحكم في مصر من الحكم الملكي إلى الحكم "العسكري الملكي"، أيضا فالحكم لا يخرج من عائلة المؤسسة العسكرية، فينتقل من ابن المؤسسة العسكرية إلى ابن آخر للمؤسسة العسكرية ومن انقلاب إلى انقلاب. فانقلب عبد الناصر على محمد نجيب، وانقلب أنور السادات على جمال عبد الناصر -حيث يوجد كثير من الروايات والتي تقول إن لأنور السادات يد في اغتيال جمال عبد الناصر-. ثم انقلب مبارك على أنور السادات -وأيضا توجد روايات تقول إن لمبارك يد في اغتيال السادات-، ثم جاءت ثورة يناير وانقلاب المجلس العسكري على مبارك حينما استشعر المجلس بمحاولة توريث الحكم لجمال مبارك "المدني". ثم انقلاب السيسي على أول رئيس مدني منتخب من الشعب وهو الرئيس محمد مرسي.

   

 

انتهت الحياة الاقتصادية، كان الجنيه المصري قبل انقلاب 52 يساوي 4 دولارات. فانخفض الجنيه في عهد عبد الناصر إلى 2 ونصف دولار وفي عهد السادات إلى 1 ونص دولار وفي عهد حسني مبارك أصبح الدولار يساوي 5 ونصف جنيه مصري. الحمد لله يومنا هذا مع قمة الحكم العسكري أصبح الدولار بـ 18 جنيه مصري.

  
انتهي دور مصر التعليمي والثقافي والحضاري تماما، فبعد أن كان يأتي لمصر الطلاب من جميع أنحاء العالم للدراسة في مصر، بل كان أولاد الأمراء والملوك في العالم يأتون لمصر للدراسة فيها أصبح نظام التعليم في مصر في المرتبة قبل الأخيرة عالميا. أصبح التعليم في مصر الآن عبارة عن بيزنس فقط ولا يمت لنظم التعليم وكفاءته بأي صلة.

  
لكل تلك الأسباب كان انقلاب 52 والذي أسميه الاستعمار الثاني لمصر فكل ما حدث ويحدث في مصر لن يقدر أن يقوم به إلا المستعمر. لكن هذا الاستعمار الثاني كان من بني جلدتنا للأسف الشديد الذين يحركهم فقط المصالح الشخصية. فهو يرى بلاده تتدمر بيده ولا يبالي فقط لأنه هو وأولاده يعيشون في أفضل حال. وليس غريبا أن ترى تهنئة من صفحة "إسرائيل تتكلم العربية" وهي تهنئ الشعب المصري بانقلاب 52. هذا لكي تتأكد فقط من قام بالانقلاب ومن المنتفع والمستفيد الوحيد منه إلى يومنا هذا.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة