بثينة مقراني
بثينة مقراني
1.9 k

الحُبُّ عَذابٌ لا بُدَّ مِنهُ إلاّ..

29/7/2018

إلاّ ذلك الّذي يولدُ معنا بالفطرة، الّذي لا يكلّفنا جهدًا ولا عناءً ولا تضحية لتثبت لمن نحبّ أنّنا نحِبّهم، حبٌّ وُجِد ليكون معنَا ولا يزولُ إلاّ إن توقّف القلبُ عنِ النّبض. طالما أنّنا نحيا وفي قلوبِنَا نبض فهنالِك دائِمًا مشاعِرٌ نُكنِّها لغيرِنا، مشاعِرٌ مختلطة فهناك من نحبّهم وهناك من نكرهُهم وهناك من نشفقُ عليهِم...، لكنّ أوّل مشاعِرٍ اكتست قلوبنَا منذُ أوّلِ نفس لنا في الحياة هي الحُبّ، احببنا أمهاتِنا وآبائنَا منذ اللّحظة الأولى، كان حبًا فطريًا ولن يزول مهما حاولنا إلى آخر رمقٍ لنا في الحياة.


حبّ الوالدين هو الحُبّ الوحيد الّذي يعطى دون أن يَنتظِر الأخذ، قلبُهما ولِد ليعطينا دون أن يأخذ، ذاك هو الحبُّ الوحيـد الصّادِق فوق الأرض، رُبما نصِل لعمرٍ محدّدٍ نظنُّ فيه العكس، ونخال أنّ حُبّهم تسلطٌ منهم وتملُّك، وأنّ خوفهُم جبروتٌ يقهرُ أنفُسنا ليكسِروا به روحنا ويقيّد حريتنا، ومثلما تأتي كلّ منّا هذه اللّحظة من الظّن والتشكيك، سيأتينا يومٌ ونعي مشاعِرهُم وتصرّفاتِهم الماضية، فحبُّهم هو الحبّ الوحيــد الّذي يكون مقصده مصلحتنا إذ نلتمِس فيه كلّ المشاعِر الصادقة الخالية من الزّيف والتصنّع.


وهنالِك الحب الّذي ينمو شيئًا فشيئًا في قلوبِنا لبعض من تعرّفنا عليهم خلال مسيرتِنا في الحياة، فليس بالضرورة كلّ شخصٍ نلتقيه سنحبّه، لكنّه سيكون حبًّا مختلفًا عن الحبِّ السابق، لن يكون بنفس القدر من الوفاء والتضحية، الإخلاص والصّدق، فإمّا أن يخبو مع الأيّام وإمّا أن تشوبه بعض النّوايا الخفيّة، وكذا المصالِح. فأن نقارِنه بحبّ الأب والأم فهذا ضربٌ من المُحال فحتّى لو كان حبًّا صادقٍا طاهِرًا من طرف فلن يكون الطرف الثّاني بنفس الصدق والوفاء في حبّه.

هنالِك من وُجِد فقط لزرع الفرحِ في قلوبِنا، لينيرها ويملأها بهجةً وسرور دون أدنى مقابِل، يعطي ولا يأخذ سخّر لنا الدّنيا وما فيها في سبيل أن نعيش بسلامٍ وهناء، هو اللّه ولا أحد سواه

مواقع التواصل
 
لا أعني أنّه لا وجود للحبّ، فهذا أمرٌ مفروغٌ منه، بل لن يكون هناك تساوي فيه بين الطرفين سواءً بين الإخوة أو الأصدقاء أو الأحبّة أو حتّى الزوجين، ففي كلّ هذه الأطراف نجِد دائِمًا أنّ هنالِك طرفٌ يضحي أكثر من الآخر وينتهز كافة السبل والفرص في سبيل إسعاده وزرع البسمة على ثغره ليس لشيء فقط لأنّه يحبّه وسعادته من سعادة الآخر، فكما نلقى قلوب تهوى العطاء في سبيل إسعاد من تحبّ نجدُ قلوبًا لا تهوى سوى الأخذ، أنانية بطبعها ترعرعت على الأخذ في سبيل اسعاد نفسِها دون الاكتراث بسعادة الآخرين.

حتّى أنّنا قد نخالُها تبادِلُنا نفس المشاعِر إلاّ أن قناعها سيأتيه يومٌ ويسقط لنكتشف مشاعِرها الحقيقيّة الغير مبالية إلاّ بنفسِها، حينها سنكتشِف زيف حبّها، ذلك اليوم حتمًا لن يكون كباقي الأيام فسبب هذا الانسلاخ إمّا تقصيرٌ منّا للحظة فأبت تلك اللّحظة أن تمرّ دون أن تريك في سبيل من ضحيت، وإمّا لحظة عسرٍ من اللّه سبحانه وتعالى ليزيل عنك غشاوة قلبك ويعرّي روح من أحببت لتستفيق من حلمِك الكاذِب. هي حقيقة مطلقة، فلن نجِد أحدًا يُحبّنا بنفس المقدار الّذي نحبه أو أكثر، بل سنجِد استغلالاً لمشاعِرنا، أفلا يحقُّ لنا أن نُحبّ مثلما أحببنا؟ ألا يحاول أولئك الّذي ضحينا في سبيل إسعادهم ولو للحظة في سبيل رسمة البسمة على ثغرِنا ولو قليلاً؟


في حقيقة الأمر هنالِك من وُجِد فقط لزرع الفرحِ في قلوبِنا، لينيرها ويملأها بهجةً وسرور دون أدنى مقابِل، يعطي ولا يأخذ سخّر لنا الدّنيا وما فيها في سبيل أن نعيش بسلامٍ وهناء، هو اللّه ولا أحد سواه، قريبٌ منّا في السرّاء والضراء، يسمع شكوانا دون كللٍ أو ملل يجيب دعاءنا ويغفِر زلاتنا وهفواتِنا مهما كبُرت، فقط حين نتوجّه له بقلبٍ خاشعٍ مؤمن، فكيف لنا أن ننتظِر حبّ وعطف عباده واهتمامهم واحساسهم بنا بينما هم نيام لا يأبهون بحالِنا، بيد أنه موجودٌ لا تغفى له عينٌ ولا ينام، يحسّ بنا في كلّ وقت ويسمعنا أينما كنّا وكيفما كنّا، رؤوفٌ بحالِنا، يكفينا أن نسجد له بقلبٍ خاشِعٍ باكي نشكيه حالنا ونفوّضه أمرنا، ليرحمنا ويفرّج همّنا.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة