مجاهد أحمد
مجاهد أحمد
360

صعاليك العصر.. فقراء يقدسون التمرد!

3/7/2018

الصعلوك في نظر اللغة هو الفقير الذي لا يملك مالاً يساعده على تحمل تبعات الحياة، إلا أن هذه المفردة قد تجاوزت معناها اللغوي منذ أمد بعيد إلى دلالات أخرى.. فالصعاليك كما يعرفهم الجميع مجموعة متمردة على الأعراف القبيلة التي كانت سائدة على أيام الجاهلية، أناس منبوذون طوعاً واختياراً منهم، أو بسبب أفعالهم المشينة التي جرَّت العار على القبيلة فتبرأت منهم..!

  
على أيامنا هذه نشأت مجموعات بصفات مشابهة لصعاليك الجاهلية.. إذ أن صعاليك مواقع التواصل الاجتماعي فقراء أيضاً.. لكن ليس فقراً مادياً إنما هم فقراء مبادئ وأخلاقيات، يقدسون التمرد والخروج على كل سائد صحيحاً كان أم خاطئاً، يهاجمون ثقافة المجتمع، دينه، عاداته وتقاليده ولا يكاد يسلم منهم أحد، والمشكل الرئيس هو أن تمردهم هذا ليس نابعاً عن قضية أو حتى عن اضطرار كما كان الحال مع صعاليك الجاهلية، إنما فقط بحثاً عن شهرة مفترضة يدفعون لقاءها كل مبدأ ويدنسون في سبيلها كل مقدس، لا يخرج الأمر عن الحال القديم لقصة الإعرابي، ذلك الرجل الذي تبول في الكعبة لأجل أن تذكره العرب، هي ذات الحالة يتم استنساخها واجترارها بطرق وأساليب أكثر تحضراً، لكن في النهاية لذات الغاية التافهة.. الشهرة، الذي تغيّر فقط هو الجمهور..

    

يا سادة الـ "لا".. أسرى النشاز، مقدسي التمرد بدلاً من العيش على قدم الرفض الواحدة، حاولوا بدلاً من ذلك أن تصنعوا لأنفسكم منظومات حقيقية ببوصلة تشير إلى الصواب لا إلى النشاز..

فالمجتمع القديم كان لا يحترم من لا يحترم مقدساته وتقاليده، أما اليوم وبفعل حالة الانهزام الحضاري التي نمر بها صارت هذه القداسات وتلك التقاليد عبئاً ثقيلاً، بل ومتهماً مداناً حتى دون محاكمة بالتسبب بكل ما نحن فيه من تخلف حضاري، وتبعاً لذلك جعلت هذه الفئة من إهانة المقدسات والخروج على العادات سلماً للشهرة والارتقاء الاجتماعي ومطيتةً للتأكيد على ثقافتها ووعيها. من الصعب تجاهل هذه الأعداد المتزايدة من أمثال هؤلاء، ومن الصعب كذلك تجاهل الحاضنة التي بدأت تنشأ حولهم وتطبل لكل تمرد دون وجود معايير ضابطة للصواب والخطأ.

  
قمة إفرست في الضلال أن نقدس التمرد كمبدأ ونمجد مرتكبيه تبعاً لذلك دونما أي اعتبارات فكرية أو تساؤلات موضوعية تستفسر عن ماذا؟ وعلى ماذا التمرد؟ لا بد حينها أن يصبح المجد لشيطان أمل دنقل المجازي.. ذلك الذي قال "لا" في وجه من قالوا "نعم" بل وحتى الشيطان الفعلي نفسه، ذاك الذي قال "لا" في وجه ربي وربكم سيجد له حتماً متسع في دائرة الأمجاد المترهلة هذه. وباسم الـ "لا" ستفتح دائرة الأمجاد اللعينة أبوابها لشياطين الإنس ليدخلوها متبخترين بلائاتهم التي قالوها ذات رفض، فهذا قال لا في وجه دينه فألحد، وتلك يا سلام قالتها في وجه القيم السامية فتحررت، وذاك قالها في وجه والديه فأعقهما وانعتق!.. هكذا ببوصلة معطوبة يهيم هؤلاء، يمجدون النشاز لأنه نشاز، ويقدسون التمرد فقط لأنه تمرد.. لا يهم لماذا أو على ماذا..! أي مراهقة فكرية تلك التي تبنى فلسفة حياتها على الرفض وتمجيده.. وفي أي سياق يمكن أن تؤخذ وأي  سلة مهملات فكرية تلك التي يمكن أن تتسع لهكذا تفاهات..!

 

ثم أما بعد
الكل تستهويه الشهرة، وهذا ليس عيب.. والكل كذلك تعتريه هذه النزعة إلى التمرد في مرحلة حياتية معينة، لكن لا ينبغي لها بأي حال أن تدوم، بعدها لا بد أن يطمئن الإنسان السوي إلى منظومة قناعات تحكم فعله وسلوكه، لا أن يكون سلوكه أسيراً لأهوائه وشهواته هكذا طيلة حياته.. يا سادة الـ "لا".. أسرى النشاز، مقدسي التمرد بدلاً من العيش على قدم الرفض الواحدة هكذا بلا اتزان تبعثركم أي ريح ويربككم كل موقف حاولوا بدلاً من ذلك أن تصنعوا لأنفسكم منظومات حقيقية ببوصلة تشير إلى الصواب لا إلى النشاز.. وفلسفة "خالف تذكر" وإن منحتكم الذكر والشهرة إلا أنها لن تمنحكم الاحترام لذواتكم ولا الطمأنينة لأرواحكم الحائرة، والجمهور الذي يطبل ويصفق الآن لكم هو ذاته الذي غداً سيضحك عليكم.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة