أمين أمكاح
أمين أمكاح
5.5 k

من سار على درب التملق وصل!

3/7/2018

من دأب على السير في طلب حوائجه بالتملق لا بد أن ينال طلبه، كيف لا يحصل ذلك والإنسان المعاصر يعيش فقرا قيميا لا مثيل له؟! ولعل ذلك راجع لأمرين اثنين: أولهما فقدان كثير من الناس لعزة النفس التي هي أم القيم النبيلة، والتي لم تضيع حتى في زمن الجاهلية الذي سادت فيه بقوة لا في الأشعار فقط، بل كانت سلوكا واقعا في حياة الناس، وثانيهما عائد إلى أن المرء اليوم أصبح أكثر حبا للمداهنة وسماع المدح الزائد، وفي حاجة دائمة لتلميع صورته ولو بشيء زائف، فيصير بذلك متمسكا بكل من يتزلف له مع إدراكه التام لحقيقة من يتملق له، ولا يتقبل ذلك لكونه بلغ في السذاجة مبلغا.


والتحدث عن التملق هنا ليس بدافع الدعوة إليه أو القيام بحملة لتشجيع ممارسته، ولكنه بغرض بيان حقيقته وتجلياته، عسى أن يكون ذلك سببا لهداية النفوس غير السوية، ورجوعها لجادة الصواب. إن الحياة بلا عزم وصبر ومثابرة تورث صاحبها الذل، ولعل هذا الوصف مما يظهر حقيقة من يقاوم ويكافح ويصابر ليصل إلى ما يطمح له مع الحفاظ على المبادئ الشريفة والقيم الأصيلة، فالمتشبع بالقيم الأخلاقية يأبى أن يمس الخنوع ذاته، ولا يرضى أن يذل غيره ويعيش مهانا، ولا يقوى على التملق ولو كان في أمس الحاجة إليه للوصول به لما يبتغيه.


ولا عزة لمن يهان فيظل مطأطأ رأسه خاضعا لمن فعل به ذلك، فيقتل في نفسه الشعور بالمهانة لحرصه على غرضه الشخصي، مما يعني ابتلاعه لكبريائه وقبوله الإهانة التي تمارس عليه، فهو بهذا المنطق على استعداد لتحمل أي شيء ليظل سيده الذي يتملق له راضيا عنه، لكي يحقق المكتسبات والإنجازات التي يراها في يد سيده، بالرغم من أنه في الأصل يفتقد أهلية استحقاقها، ولا يستطيع نيلها إلا بالطرق غير المشروعة.

تجد المتملق يحاول إقناع نفسه ظاهريا بأنه غير مخطئ فيما يفعله، ولكنه يظل داخليا واقفا على أرض غير ثابتة، مما يعني استمرار شعوره بعدم الأمان والتوتر في علاقاته

ومن الطبيعي جدا أن نثني على شخص نحبه صدقا لذاته لا لما عنده أو لما فيه من مصلحة شخصية لنا، ومن المعقول أيضا أن نعجب بطرح إنسان ما فنمدحه في حدود ما يستحقه، ولكن ما نراه اليوم في واقعنا مهين جدا، وفيه من الابتذال والخنوع الذي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يبرر بمحبة أو إعجاب، لدرجة أن الغالبية أصبحت تؤمن بأن التملق هو أقصر الطرق التي توصل إلى النجاح، وإن كان غير مستحق وتنقصه مقوماته الحقيقية.


يكاد يكون التملق الوسيلة الآمنة والوحيدة للوصول بالنسبة للانتهازي، لا سيما إذا كانت قيم الإخلاص والنزاهة غير متوفرة عنده، الشيء الذي يجعل التملق دربه الوحيد المتبع، لأنها الطريقة التي تمهد لنفسه التسلق على الأكتاف، دون اعتبار لمن تضرر ومن سيتضرر، المهم في عقيدته أن يصل لما يريده هو فقط، فغايته تبرر له وسيلته المتبعة، ومصلحته مقدمة على حساب كرامته.


لذا تجد المتملق يحاول إقناع نفسه ظاهريا بأنه غير مخطئ فيما يفعله، ولكنه يظل داخليا واقفا على أرض غير ثابتة، مما يعني استمرار شعوره بعدم الأمان والتوتر في علاقاته، بسبب أن من حوله استطاعوا إدراك حقيقة أفعاله وتصرفاته، فيفضلون بذلك تجاهله أو الابتعاد عنه.


من سار بين الناس بالتملق أدرك ما يبتغيه لا لشيء إلا لهوان نفسه عليه فيرضى بذلك العيش حياة الذل، فتنهار ذاته وكرامته مقابل التوسل في كسب ود المسؤول الذي بيده مآربه الشخصية، وطبعا فالمتملق لا يمكنه أن ينتقد أو يحاسب ولي نعمته، لأن في اعتقاده أن غرضه الدنيوي في ملك سيده، وهو الذي يستولي عليه ويتصرف فيه كما يشاء.


لم يعد الاستحقاق مرهونا بما تملك من كفاءة وسعة أفق بقدر ما هو مرتبط بمدى إتقانك لأساليب التملق، والذي بفضله ستجد نفسك في الصفوة والمقدمة على غرار غيرك الذي يسلك الطرق السوية، مما يعني أن المقامات الدنيوية لا سبيل لصعودها إلا بسلم التملق.


ونجد للتملق تجليات خطيرة تظهر في تصرفات المتملق منها على سبيل المثال: غياب نكران الذات، وعدم الاعتراف بصاحب الفضل والبذل والعطاء، إما لأسباب شخصية أو فئوية، أو لأن إظهار الحقائق يتقاطع مع الوصول لأغراض وأهداف ضيقة، حتى لو كان من تم إقصائه أكثر تميزا وإبداعا بل وقد يكون له فضل كثير على المتملق نفسه، مما يعني أن التملق أساسه الأخذ فقط وليس العطاء والوفاء لأهله.

 لا أحد مجبر على التملق ما دام أن ضميره حي ودرجة تقواه مرتفعة، وإن كانت البيئة المحيطة به فاسدة ومشجعة على ذلك

مواقع التواصل
 

لا يغرنك الوصول السريع للمتلق، لأن سقوطه أسرع، نظرا لكونه بني على أشياء لا قيمة أخلاقية لها، أي أنه حصل نتيجة الاتصاف بمجموعة من الاخلاق الذميمة المرتبطة بالتملق مثل: الكذب، وقبول الباطل، وتضييع الحقوق، وإقبارا مبدأ تكافؤ الفرص، وفي اعتقادي أن أي شيء بني على هذا الأساس الهش معرض للسقوط لا محالة، لأن بنيانه غير قوي ولا يحمل الصلابة الأخلاقية المطلوبة، وهذا كله ما يؤدي في النهاية إلى تفشي الفساد وضياع العدل وانتشار المحسوبية.


وفي نظري أن لا أحد مجبر على التملق ما دام أن ضميره حي ودرجة تقواه مرتفعة، وإن كانت البيئة المحيطة به فاسدة ومشجعة على ذلك، فالنفس السوية لا تحتمل الضيم حرصا على نيل متاع دنيوي ولو كان رهبة، لذا تغضب عندما تراه في الآخرين، فتبذل الوسع في التحذير منه وإزالته من غيرها، لا التطبع معه واعتباره أمرا عاديا.


فبعد كل ما قيل، ماذا ينتظر المتملق ليصدق مع نفسه ومع غيره، ويجرأ على قول الحقيقة؟ إلى متى سيبقى التزييف والخداع شعاره والكذب والنفاق ديدنه، والتملق دربه للوصول لمسعاه؟ ألا زال يرفض الارتقاء بفكره ليصبح قول الحق ممشاه، والنصح والصدق مسعاه الحقيقي؟ 


قد حان الوقت ليقف ويفكر مليا في تصرفاته وطرق تعامله، لكي يتخلى عن دروب التملق ويتبع ضروب الجد والكفاح والمثابرة، ولا يمكن إغفال معالجة ومحاربة هذا السلوك المنحرف والتخلص منه دون ربطه بطرفي المعضلة ألا وهما: المتلقي والقائم بالتملق.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة