هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟




مجاهد أحمد
مجاهد أحمد
306

الرواية.. سجون المراهقين الاختيارية!

30/7/2018

أخذ فن الرواية شكله الحالي في القرن الثامن عشر، إلا أن فكرة القصة التخيٌّليَّة -المحبوكة بإتقان قديمة- ولا يمكن ردها إلى تاريخ بعينه.. خروج هذا الفن الجميل إلى العلن كانت له دائماً أسبابه المنطقية ودوافعه الموضوعية، والتي كانت ولا تزال تتأرجح بين مجرد متعة المطالعة أو تمرير مجموعة من الأفكار والقناعات، وأحياناً تقرير الحقائق بصورة مسلية خالية من الرتابة والملل المصاحبان للكتابات الكلاسيكية بشكلها القديم.

 

نجحت الرواية بلا شك في ذلك واجتاحت كل صنوف الأدب التي كانت معروفة كالشعر مثلاً الذي انزوى بعيداً في ظل المد الروائي الطاغي.. وهذه ليست مشكلة مادامت الرواية تخدم أغراضاً نبيلة، لكن المشكلة ليست في الرواية من حيث هي فن أدبي ككل الفنون فيه الجيًّد والسيئ، النبيل والمبتذل.. إنما المشكلة صارت في القارئ نفسه، الذي تحول هدفه من مطالعة الرواية – بل ومن القراءة عموماً – تحوًّل من السعي إلى تحصيل المعارف أو حتى مجرد المتعة الصرفة.. إلى الانعزال والهروب من الواقع الذي يعيش فيه والانتقال بشكل شبه كامل للعيش في واقع افتراضي صنعه خيال الكاتب.

 

استوقفني كثيراً هذا المقطع للكاتبة ريحان الخطابي الذي قرأته قبل أكثر من ثماني سنوات وما زال عالقاً في ذهني: "ماذا تريد أن تصبح عندما تكبر؟ سجين.. أريد أن أحمي عزلتي بقوة القانون". ولأن السجون العربية ليست بذلك الترف الذي قد يجعل منها يوماً أمنية في عيون أحد، تبدو سجون الرواية المعنوية مناسبة أكثر لتوفير العزلة والراحة لهذا الجيل المنهك، الهارب من واقعه البائس نحو أي شيء يمكن أن يكون أقل قسوة، لهذا صارت الحبكة الروائية أهم من أي شيء آخر، الرواية الناجحة لم تعد تلك التي تناقش قضية أو تمرر قناعة لكاتب، أو حتى تعرض مشكلة ما وتترك لحصافة القارئ الحكم.

 

لا يجب أن يكون فتحك لكتاب – أي كتاب- فراراً من الحياة، إنما ينبغي أن يكون استعداداً لها، وتذكر أن الكاتب هو في النهاية بشر، يحمل أفكاراً قد لا تتفق مع الصواب الذي تراه

مواقع التواصل
 

الرواية الناجحة صارت هي تلك التي تفلح في انتزاع هؤلاء المراهقين من الواقع، ولا يهم عن ماذا تتحدث.. عن الجن، الملائكة، الشياطين، الوطن، الجنس، التفاهة.. إلخ. لا يهم بأي حال.. المهم أنها تستطيع أن تضرب حولهم سياجاً عالياً من الوهم لا يستطيع الواقع معه إليهم وصولاً. هكذا يتخلى فتى الجيل المنهك ذو العقل المتقد عن كل عناد المراهقين المفترض وعن كل ملكاته النقدية ويتحول لطفل ضائع، يانع.. يسلم يديه لكاتب رواية ما لا يعلم عنه شيئاً ليقوده في منعرجات واقع افتراضي لا يقل خطورة عن الحياة الواقعية. المراهقة صارت هكذا بين نفث دخان السجائر أو استنشاق حروف رواية ما، والذوبان في طرقاتها الافتراضية بعيداً كل حلم ينبغي العمل لأجله أو حياة تنتظر منا أن نعيش فصولها بأنفسنا.

 

ثم أما بعد: هي ليست دعوة لهجر الرواية جملة وتفصيلاً، على العكس الرواية قد تكون مفيدة شأنها شأن كل كتاب.. تضيف معارف جديدة، تفتح شبابيك العقل على ثقافات مغايرة، وتمنح الروح تجربة ثرية وزاوية جديدة للرؤية، لكن كل ذلك يُفترض بك أن تحمله معك إلى الحياة الحقيقية، إلى واقعك البائس سعياً منك إلى تحسينه ما أمكن.

 

لا يجب أن يكون فتحك لكتاب -أي كتاب- فراراً من الحياة، إنما ينبغي أن يكون استعداداً لها، وتذكر أن الكاتب هو في النهاية بشر، يحمل أفكاراً قد لا تتفق مع الصواب الذي تراه.. لذا فلا تتخلى عن عقلك تحت أي ظرف من الظروف ولا تقبل بفكرة لمجرد أن الراوي يراها صواباً.. رد أفكار الرواية إلى عقلك وحاكم الكتب بأُخرى، ولا تتخذ من القراءة غاية، ولا وسيلة فرار.. إنما تسلًّح بها لتواجه الحياة.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة