صبغة الله الهدوي
صبغة الله الهدوي
10.5 k

معركة البوطي والسلفية.. قصة لا يحب الكثيرون سماعها!

31/7/2018

تطول قصة المعركة بين البوطي وأبواق السلفية، وهي قصة تتشعب وتتفرع، وهي قصة لا يحب الكثير سماعها، وهي قصة محرجة فصولها وعناوينها اللهم إلا أنها تحبس الأنفاس بل ربما أدت إلى جفاء الأحبة أو أشرعتني في المنهل الرنق حيث شن البوطي غارة شعواء على الأفكار الوهابية، وسعى وراءها وسبر تاريخها وأطل إلى أغوارها، ونشر ما طويت من جوانحها، ووقف أبيا رغم التعليقات الجامحة التي وجهت نحو رؤيته وفكرته، والتي عرضته وسومته كعميل السياسة ومرتزق النظام لكن رغم تلك الدعايات والآراء المتضاربة إنه هو قائد الأشعرية والسنة الذي خاض حروبا طويلة مع السلفية، بل لا بد من وقفة طويلة على تلك الصور التي نقشها البوطي إبان خطاباته النارية ومواقفه من الفكرة الوهابية.


فللبوطي بصمات واضحة رسمت وأظهرت العلاقات الحميمة بين الاحتلال البريطاني وعبد الوهاب، والصلات المنصهرة بين همفر الجاسوس وبين عبد الوهاب، وعنده مفاتيح تلوح من بينها مناظر توحي إلى أن بنية الحركة الوهابية تراصت طوع أنفاس الاحتلال البريطاني وعاشت في كنف الاستعمار، بل كانت ربيبة "فرق تسد" لحد أن انشقت الجزر العربية وانفصلت من جسر الإسلام وضل "قطار الحجاز" في أول سيره، ولم يجد له سائقا يخفق في قلبه وعي الأمة ويستنير من وحي الوحدة، ولا سكة حديد تربط بأوتاد الدين والعقيدة.

 

هكذا تم "اغتيال" الخلافة العثمانية بشكل بسيط مما يتوقع على حين ألهى الناس جل أمورهم، وأرضاهم المال وبريق الجاه، وأشبعهم العرش وشفا غليلهم القرش، هنا تطفو الأسئلة وتستغيث بالتاريخ وتنتظر النجدة من معالم الأيام، وهنا استوقفتني كلمات فارس المنابر عبد الحميد كشك حين يستعيد ذكريات الخلافة العثمانية إذ قال بنبرة تستوحي أنه الضياع والتشرذم "رجعت ذاكرتي إلى الوراء ما هي تركيا، تركيا دولة إسلامية حملت لواء الخلافة ثلاثة قرون من الزمن، كان فيها خليفة للمسلمين، وكانت تركيا مقر الخلافة الإسلامية، ومهما قيل فإن الخلافة كانت رباطا مقدسا وكانت عروة وثقى تجمع شتات الأمة الإسلامية، لقد كانت الأمة الإسلامية أيام الخلافة عقدا فريدا، فلما سقطت الخلافة انصرف ذلك العقد ولم يبق منه سوى خيط الذكرى".

 

السلفية حسب ما تعرفها أوساط الوهابية لا تعني إلا إخراج أهل السنة وتكفير الشيعة، بل لا تزيد على هدم المآثر والمقابر، وسب الصوفية، وفصل الأمة من جذورها بدعوى الإصلاح والتجديد

وأضيف إليها ما قال البوطي متطرقا عن الأسباب التي دعت إلى انهيار الخلافة العثمانية في ظل الوطنية وشعارات من الجاهلية، ومقتبسا من كتاب "أعمدة الحكمة السبعة" لـ "لورانس" بريطانيا هي التي خططت قبل غيرها للعمل على تشتيت المسلمين وسخرت لذلك ثلاثة أسافين، الإسفين الأول القاديانية، وهو إسفين غرسته بريطانيا في الهند وما حولها، الإسفين الثاني البابية والبهائية وقد غرسته بريطانيا في مصر وفي جهات من جنوب آسيا، والإسفين الثالث الوهابية، وإنما غرسته بريطانيا في الجزيرة العربية".

 

وكأن الإسفين الأول استهدف به جميع المسلمين العجم لا سيما في الهند التي تشكل نسبة المسلمين فيها أضعاف ما في الجزيرة العربية آنذاك، وبالإسفين الثاني الفرس التي لها دور قيادي في صميم العالم الإسلامي ومكانة عالية في محورية الشرق الأوسط جغرافيا وسياسة، وبالإسفين الثالث الأعمق أثرا والأبعد خطرا في قلب الأمة الإسلامية وفي مهبط الوحي وسرة الأرض، وكأن الشيطان أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب لكن في التحريش بينهم، وبشكل مفاجئ نجد أن ذيول التيارات المنحرفة من محطات الإسلام منصوبة بهاته الأسافين الثلاثة، حتى يمحى الدين بواسطة المسلمين أنفسهم.


فإن مصطلح "السلفية" احتل مكانة عالية في تيارات الأمة الإسلامية، ولا تنحل عقدتها وتعويصاتها إلا بتحليل مدقق وتشخيص وتشريح، فإن السلفية حسب ما تعرفها أوساط الوهابية لا تعني إلا إخراج أهل السنة وتكفير الشيعة، بل لا تزيد على هدم المآثر والمقابر، وسب الصوفية، وفصل الأمة من جذورها بدعوى الإصلاح والتجديد، لكن البوطي رحمه الله الذي غير وجه "السلفية" وعرفها كمرحلة زمنية مباركة لا مذهبا إسلاميا لا يريد تشويه ابن تيمية الذي تبنته السلفية والوهابية على الرغم من مذهبيته بالإمام ابن حنبل وفتاويه التي لا تطابق بدعايات الوهابية الحديثة، وهل كان حتى مصطلح السلفية تهربا من "أطياف الوهابية" التي هي عبارة عن تقزز الرؤوس واشمئزاز النفوس عند الصلاة النبوية كما قالها البوطي.


فكيف راقت لحركة إسلامية تستهدف إصلاح المجتمع وتحرير الرقبات من أسلاك الشرك وتطهيرها من خامات الخرافات أن تكون مقر المؤامرات وممر المتربصين بالخلافة العثمانية، وكيف ذاقت كأس المرح والترف والقسطنطينية تسقط على وجهها، وسكة الحجاز تنحل من أوتادها وتنفك من حلقتها، وهل تليق لها أن تتبرأ من هاته الأدران التي التصقت بجبهتها على مر العقود، وهل يمحى هذا العار الذي أورثه هذا البيان الصريح الصارخ، وعندما نستعرض ونحلل سيناريوهات الجزيرة العربية نفاجئ بعدة وثائق ونصطدم لرؤيتها.

 

حيث امتدت خيوط المؤامرات على الخلافة العثمانية إلى تلك المقرات العربية، حاضنة السلفية والتوحيد، ونتمنى أن تكون تلك الوثائق والبراهين أوهاما وأشباحا إلا أن حال أنظمة العربية المستبدة تبدد حلمنا وتوثق خيالنا عن الأطماع التي هيمنت على العروش، حيث قضت على الخلافة العثمانية الجامعة، والطوق الشامل واحتل مكانها أصحاب العروش والكروش، وتلاثت أصداء الخلافة وأصبحت نداءاتها خوار الإرهاب والبربرية، وبلغ بنا الأمر إلى حد أن عبدنا الحركات ونسينا المثل الأعلى في مسير الحياة.


وعلى خلفية اعتقال الشيخ سفر الحوالي من قبل السلطة السعودية ونشر كتابه "المسلمون والحضارة الغربية" الذي أثار موجة من البحث والاستفزاز في أوكار السلفية أقف بكل الشرف على أطلال مقولة البوطي حين يقول "إسلامنا كما أمر القرآن لا كما أوصت أمريكا".


أما خسرت الأمة كلما بعدت من مبادئها ومقوماتها التي أسست على التقوى والإخلاص والتفاني في سبيل الحق، وخابت وانحطت وتردت كلما انحدرت من وكرها إلى حضن الغرب، وأقصت المآثر التي تحكي الطرق والأفكار التي مضت عليها الملة الإسلامية، وألقت على القباب والمقابر طابع الشرك والتكفير، فالإسلام الذي يقترحه القرآن وينصحه الحديث الشريف هو الثبات والوقفة الصامدة في وجه الباطل، ورفع رايات الحق في مهب الريح وإرساء السفن الربانية فوق الموجات الهائجة.

لم تكن السلفية في لحظة من لحظاتها حاضنة الحضارة الإسلامية ولا ذائدة ذمارها، ولا خادمة حرمها بل كانت السلفية عكازة التجسس البريطاني وكوة الاستعمار الغربي في زي الجهاد على الخرافات وفي حلم "الإصلاح" والتجديد

وكالة الأنباء الأوروبية
 

أما الحركة الوهابية من الصعب جدا تصويرها تيارا إسلاميا أراد نهضة الأمة أو سعى إلى تجديد المجتمع العربي بل هي الفتنة الكبرى التي حلت بالمقدسات الإسلامية، بدأت سوءتها على خلفية سيطرتها على الجزيرة العربية والإجراءات التي مارستها خلال تلك الأيام والتي تستمر عليها حتى الآن، ولا أراها إلا شبيها بالفكرة الخارجية التي لا تريد الصلاح إلا بالسلاح، ولا ترى النور إلا في الدمار، ضيقة جدرانها وجوفاء أركانها، وكيف خسر من نادى إلى توحيد الخالق في توحيد صفوف الخلائق، وكيف ربت هذه المناطق عملاء كاسيات عاريات، وخدعت الأمة بقداسة الحرمين والكعبة تخجل أمام برج الساعة والفنادق الفخمة.

 

لماذا تخاف الوهابية المآثر العريقة والشعارات العتيقة وتسعى في طمس الماضي والآثار، وهذه أسئلة بسيطة تجيش في خاطر كل من ينتمي إلى الأمة ويرجو المجد والإباء، ولا تمحى تلك الشكوك بشكل سريع، فكلما حاولنا في تقديس شخصية ابن عبد الوهاب نصطدم باعترافات الجاسوس البريطاني همفر، الذي له نفوذ قوي في توجيه بوصلة الوهابية وفي إطفاء بصيص الخلافة، بل ظلت اعترافاته صاعقة على هامات الوهابية، ولا مناص منها بسهولة، وأصبحت طعنة في خاصرتها حيث تلوح خلال طياتها حقائق مرة لا مفر منها.


لماذا تخاف السلفية أرواح المآثر الإسلامية وتلاحق المقابر والقبب التي ترقد تحتها قصص الحضارة والتاريخ التي أبت أن تنخر عظامه، وترسم التقاليد بنقش الخرافات والهرطقة، ثم تنادي إلى استرداد الخلافة بعدما ضربت بفأسها المجرم جبهة العثمانية، وكأن السلفية مجموعة من التناقضات لا تهمها إلا السياسة، وكأنها مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي.


وحتى اللحظة نشاهد من الجزيرة العربية ما تدنس كرامة الأمة، ونرى تلك الأنظمة تقترب شبرا بشبر إلى تلك الدول التي دمرت هويتها ومزقت جلبابها على مر التاريخ مع أنها آيلة إلى الأفول، بل نرى أفواه الحق مكمومة، وأقلامها مسمومة، وفي الحقيقة لم تكن السلفية في لحظة من لحظاتها حاضنة الحضارة الإسلامية ولا ذائدة ذمارها، ولا خادمة حرمها بل كانت السلفية عكازة التجسس البريطاني وكوة الاستعمار الغربي في زي الجهاد على الخرافات وفي حلم "الإصلاح" والتجديد، ولم يك عبد الوهاب مصلحا مظلوما مفترى عليه كما يراه مسعود الندوي حتى نقدمه شهادة التزكية، لأن إصلاحه لم يورث إلا نكالا على الطوق الشامل، والسبحة المنتظمة، وهل هناك إصلاح يطمس الهوية ويشتت الوحدة، وتلك هي الأسئلة التي أوقعت السلفية في المطبات الهوائية الخطرة.

#يتصدر_الآن

جمال خاشقجي: أَمَسُّ ما يحتاجه العالم العربي هو حرية التعبير

كان هناك زمن اعتقد فيه الصحفيون أنّ الإنترنت سيحرر المعلومات من الرقابة والسيطرة المرتبطَين بوسائل الإعلام المطبوعة. لكن الحكومات التي يعتمد بقاؤها الفعليّ على السيطرة على المعلومات أعاقت الإنترنت بشدة.

3.4 k
  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة