التمهيد للعلمانية.. كيف يقوم الحداثيون العرب بإزاحة التراث الإسلامي؟

6/7/2018

الحداثة بشكل عام أو العصرنة هي تحديث وتجديد ما هو قديم وهو مصطلح يبرز في المجال الثقافي والفكري والحداثة تشمل مجموعة من التغييرات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ونجد بأن الترويج لهذا المفهوم في العالم العربي أخذ طابع تقليدي لا يتوافق مع الفكر الإسلامي فهو يدعو لإزاحة التراث الإسلامي واعتباره غير صالح للعصر واستبدال النظرة الإسلامية لأصول الإسلام بمنظور غربي ضيق يتماشى مع المدنية الغربية بمظاهرها الحضرية وفلسفتها الاجتماعية.

 

وقد أدى ذلك التصور الخاطئ للإسلام إلى التصرف وفقا للحراك العلماني في اعتبار الحياة نمطا شخصيا تجتمع فيه للشخص متعه وأغراضه وتكفل له حريته في الفكر والدعوة له بغض النظر عن ماهية ذلك الفكر وإضراره بالمجتمع وبذلك ينعدم مبدأ التحديث في الإسلام والذي يقصد به الإحياء والبعث والتجديد ويتنافى مع الدين الإسلامي باعتباره غربي النشأة شرقي المصدر فلا يمكن أن نتصور استيراد فكر ليقيم فكر آخر فالأفكار تتصارع وتتصادم شأنها شأن الحضارات والادعاء بأن سلوك النهج الغربي في تحديث الحياة وجعلها أكثر عصرية في تغيير الفكر الإسلامي واستبداله بالغربي فيه إجحاف لا يتوافق مع الإسلام الذي يدعو صراحة لأن يكون مختلفا عن غيره من الأفكار الوضعية التي لطالما تعارضت وتصادمت مع ما يدعو له من سمو بالفرد والجماعة وتشديد على اتابع الأوامر الإلهية التي في جوهرها ترمي إلى إسعاد الإنسان والارتقاء بنفسه حد الكمال الذي يدفعه لعمارة الأرض والسير بالبشرية إلى حيث تضمن سيرها في الإتجاه الصحيح والعاقبة السعيدة.


وإن محاولة بعض الحداثيين العرب من المعاصرين الاتجاه غربا يلزم تقديم كثير من التنازلات حتى يبارك الغرب أعمالهم ويدعمهم لإقامة أنظمة عصرية تهتم بإقامة الدولة أكثر من إقامة الدين وتربي أجيالا تهوى الغرب وتعجب بقشور حضارته وتدعم جهود هيمنته على العالم الإسلامي دون التنبه للخطر الذي يحيق بالإرث الإسلامي وغض الطرف عن جرائم الغرب الفكرية والعسكرية ونهبه لثروات العالم العربي والإسلامي وإذكاءه الحروب والتخطيط لإدامة النزاعات والعمل على إطالة أمدها حتى يطمئن الغرب على تبعية أنظمة الدول الإسلامية لأيدولوجيته وسيرها على رؤيته وتطبيقا لمخططاته التي لا تريد إسلاما يحرج الغرب ويؤسس دول مناهضة ومغالبة لأطماعه.

 

لا يمكن بأي من الأحوال اعتبار هذا التيار الحداثي ذا قيمة في تبصير المسلمين وتذكيرهم بدينهم فهو يدعوهم صراحة إلى نبذه والاتجاه صوب الحضارة الغربية

فبهذا يظل الجمهور الإسلامي منفصم فكريا عن دينه فهو بين من يعتقدون جازمين بأن الإسلام غير صالحا لعصر التطور فيجب إقصاءه أو تقليم أضافره ليبدو وكأنه لا شوكة له ولا قوة فيه فمتى ما قال الغرب بأن ذاك الأمر يعد إرهابا أسرع الحداثيين إلى خلعه من الإسلام وأفرغوا جهدهم في مغالطات تأريخية وغيروا وبدلوا وغيروا في النصوص ليخرجوا بنتائج مفادها أن هذا الأمر الذي من أجله حكم على الإسلام من أجله بالإرهاب ليس من الإسلام أصلا بل من التراث المتشدد وغير المسلم به وأنما هو من مخلفات التراث ويسترسلوا في وصف ذلك البريء بما تجود به عقلوهم من أوصاف فيصفونه بالتراث الذي ما عاد مواكبا للعصر وأنه بنى أحكامه على أسس سياسية.

 

والغرض من ذلك كله محاولة توسيع الهوة بين مسلم اليوم ومسلم الأمس شيئا فشيئا حتى يرى عامة المسلمين بأن معركة إثبات الذات الفكرية قد نجح فيها الغرب وتمكن من عرك الإسلام وإفراغه من مضامينه التي لطالما أرقت الغرب وغضت مضاجع ساسته وقادته حتى بات لديهم هاجس مقاومة ذلك الفكر الذي سفه عقولهم واستحوذ على قلوبهم فحاولوا بشتى الطرق إضعافه وصد أتباعه بشتى المغريات وكل الوسائل ولم يخطر على بالهم أن يظهر من ينادون بتغيير الإسلام ذاك المجهول العظيم لديهم ليبدوا وكأنه يحتاج إلى رفده بتجاربهم في الحريات والحقوق والمعاملات والحكم والإدارة.


ولا يمكن بأي من الأحوال اعتبار هذا التيار الحداثي ذا قيمة في تبصير المسلمين وتذكيرهم بدينهم فهو يدعوهم صراحة إلى نبذه والاتجاه صوب الحضارة الغربية وعبادة المادة مقابل حصولهم على الرفاهية والنهضة والتي بالتأكيد لن تتثنى بالتنازل عن أغلى ما يملكون ولو ظنوا بأنه مدعاة للقول بأنه لصالح الإسلام أو استكمالا لمسيرته بل هو خروج عن قيمه والتمرد على أحكامه وابتداع ما يتافي رسالته الواضحة ورؤيته المتفق عليها بين حقب الأمة منذ مجيء الإسلام مرورا بآخر مؤلفة خطها المسلمين دفاعا عن الإسلام.

 

فقد كان الموقف الموحد هو الحفاظ على الإسلام بشكله ومضمونه خاليا من التأثير الخارجي موحدا في أحكامه وحدوده وأركانه متحديا بصرامة محاولات العابثين به حتى أولئك الذين حاولوا تناول الإسلام بصيغ فلسفية تصدى لهم من كان متنبها لخطورة خلط الفلسفة بالإسلام وشريعته التي لم تكن في يوم من الأيام مسار خلاف أو جدال بين المسلمين بل كانوا يشددون على التزام الأوامر واجتناب النواهي خوفا من مغبة مخالفتها وتعطيلها.

الغرب هو الذي يروج لفشل المسلمين في النهضة ببلدانهم وهو شبيه بمن يطلب منك الركض وهو ممسك بكلتا رجليك

رويترز
 

وكما أن الإسلام خاض كثير من المعارك دفاعا عن وجوده وسلامته فهو الآن على أعتاب خوض معركة من داخله ويجب التنبه أن معركة منع الفكر الحداثي ليست بالأمر الهين في وجود حضارة مادية متفوقة وحضارة منهارة تتأثر بها وتتطلع للوصول إلى الترف الذي بلغته الشعوب والتي تحاول أن تشير دائما إلى المشكلة التي تمنع من تحصيل ركبنا هي دينكم ومعتقداتكم رغم أن الحقيقة بعيد عن ذلك تماما فنحن نحاول النهوض إلى أن الغرب يصر على إبغائنا في درك العالم فالكيل بمكيالين هو العائق للنهضة العربية والإسلامية والتخطيط لإثارة الحروب وافتعالها كان ولا زال ديدن الغرب مع الدول الإسلامية واعتبارها وجهة للتجارب وقبلة للسلب والنهب وتركيز الأنظار لمراقبة الأنظمة الإسلامية الصاعدة وتأليب محيطها والراي العالمي عليها حتى يتم إجهاض مشروعها وإفشال تقدمها.

 

ولو قيل بأن الإرادة تقتضي المقاومة وإفشال المخططات التي تستهدف الدول الإسلامية الصاعدة نقول بأن المتحكم في الإعلام العالمي هو الغرب وهو الذي يروج لفشل المسلمين في النهضة ببلدانهم وهو شبيه بمن يطلب منك الركض وهو ممسك بكلتا رجليك فالحقيقة إيجاد مبرر لتراجع المسلمين يمكن أن نقول بأنه الابتعاد عن الاعتزاز بالهوية الإسلامية وعدم استغلالها في توحيد كلمة الأمة لإيصالها إلى قمة العطاء مقارنة بكثير من الدول الغربية والأسيوية الاي شجعت شعوبها على أساس تعبوي يستمد قواه من الانتماء الجهوي أو العنصري.

 

فارتقت رغم شح المقومات وندرة الموارد فالصين والهند وروسيا واليابان أولت اهتمامها بالاعتزاز بانتماءاتها ووحدة شعوبها ودفعتهم للإنتاج بتعزيز ثقافة العمل من داخل بيئاتهم دون الحاجة لاستيراد أفكار تقلل من الموروث البشري والاعتماد على عقيدة الأجداد في العمل وقناعاتهم عن مضافرة الجهود لنفع البلاد والعباد فإذا كانت تلك الدول ذات الأديان الوضعية رغم صراعاتها التي خاضتها تمكنت من سلوك طريق النهضة وبلوغ سلم التقدم فأن الإسلام أولى بقيمه الأصيلة وأخلاقه الكريمة وأركانه القويمة وبلاد المسلمين أجدر بالتقدم لمواردها ومقدراتها التي لا تقدر بثمن.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة