فلسطين بين الرمز والحقيقة

6/7/2018

أثناء حوار دار بيني وبين أختي الصغيرة التي لم تبلغ من العمر الخامسة بعد حول ظاهرة الليل والنهار وكيف أنهما يختلفان من مكان لآخر وكانت قد درست نبذة صغيرة عنه في المدرسة، فإذا بها تفاجئني بعبارة وقعت عليّ وقع الصاعقة قالت:” في البلد البعيدة أوي.. إيم .. أبعد من أمريكا (وهي تعرف عن أمريكا لأنها قد زارتها) إيمم.. في فلسطين الدنيا ليل دلوقتي.” فذهلت من المثال وظللت أفكر كيف ظنت أن فلسطين بعيدة هذا البعد، وعندها تذكرت يوم أراد الاحتلال زرع بوابات عند المسجد الأقصى والمواجهات التي تبعته. فقد خشيت عليّ من النزول الي المسجد -وقد كان يوم الجمعة- ظناً منها أن ما يحدث هناك يحدث في أي مسجد.

 

أتذكر أنى قد قلت لها حينها أن ما يحدث هناك بعيد كل البعد عنّا، حتى لا تخشي المساجد وحتى لا أحملها ما لا تطيق فهي طفله في النهاية. فيبدو أنها استنتجت بعقلها الصغير أن فلسطين بلد في آخر العالم. فجاء في خاطري كلام مريد البرغوثي حين قال: “عندما تسمع في الاذاعات وتقرأ في الجرائد والمجلات والكتب والخُطَب كلمة الأراضي المحتلة” سنة بعد سنة ومهرجان بعد مهرجان ومؤتمر قمة بعد مؤتمر قمة، تحسبها وهماً في آخر الدنيا! تظن أن لا سبيل للوصول إليها بأي شكل من الأشكال.” 

 

الرمز شيء زائل، حي في الوجدان، فاني في الحقيقة، فجيفارا رمز وغاندي رمز، أما فلسطين فحية في الوجدان خالدة في الحقيقة

استشعرت حينها معني آخر للاحتلال في عبارات اختي البسيطة، الاحتلال يتحكم في المسافات حتى يكون السفر لأمريكا –التي هي في الجانب الأخر من العالم– أقرب لأختي من عبور الحدود. الاحتلال هو احتلال الوقت والزمن فيتمدد الوقت ويتوقف اللذان علي الرسغ عن الدوران عند المعابر والحواجز، الاحتلال يعيد رسم الجغرافيا ويزوّر التاريخ، الاحتلال يزرع الأسوار، الاحتلال يستأصل الأشجار.

  
الاحتلال يفرض واقعاً، أما نحن، فنتعلق بالرمز، الاحتلال يُمَيع الأسماء، فمنذ متي وشمال فلسطين يشار إليه علي أنه الضفة الغربية لنهر الاْردن؟! منذ متي وليافا اسم الراو للقدس شرق وغرب؟ الاحتلال يترك لنا الشعارات ويغتصب هو الواقع. والتطورات الأخيرة حول موقع القدس السياسي خير دليل، فكأن حيفا لم تحتل يوماً ولا يافا ولا عكا ولا باقي الارض!

 

الرمز شيء زائل، حي في الوجدان، فاني في الحقيقة، فجيفارا رمز وغاندي رمز، أما فلسطين فحية في الوجدان خالدة في الحقيقة. فاسألوا أصحاب “فلسطين حرة” عن فلسطين ومدنها، واسألوا اصحاب “على القدس رايحين” عن الطريق من بلادهم الي القدس. علموا أولادكم عن فلسطين الحقيقة، علموهم أن لمفتاح العودة دار ينتظر، وأن لحنظلة أخوة، علموهم أن لشجر التفاح رائحة وأن للزيتون وقت حصاد، خذوا أبنائكم إلى الحدود والمخيمات، أوصفوا لهم الطريق، علموهم أن الاحتلال شذوذ، جرم نجس لا مكان له.

  

لا تحصروا فلسطين في القدس، فطهارة يافا من طهارة القدس، ولا تحصروا فلسطين في رمز يتغنى به الحكام من ناحية ويلهثون وراء التطبيع من ناحية، علموهم أن إدراك الواقع لا يعني الخضوع والاستسلام له. لا تصوروا فلسطين على أنها فانتازيا أو قطعة من السماء يتصارع عليها أهل الأرض، إنما هي أرض كأي أرض وحُق للأرض أن تعود لأبنائها. 

 

يقول مريد البرغوثي في رائعته رأيت رام الله "عندما تختفي فلسطين كسلسال على ثوب السهرة ، كحلية، أو كذكرى أو كمصحف ذهبي، أي عندما نمشي بأحذيتنا على ترابها، ونمسح غبارها عن ياقات قمصاننا وعن خطانا المستعجلة إلى قضاء شؤوننا اليومية العابرة، العادية، المضجرة، عندما نتذمر من حرها وبردها ومن رتابة البقاء فيها طويلا، عندئذ نكون قد اقتربنا منها حقا"

 
أخشي ما أخشاه أن يأتي جيل يري التراث الفلسطيني يوما كأساطير الهنود الحمر أو أن يأتي ذكر فلسطين على هيئة المدينة الفاضلة أو اليوتوبيا التي نحلم بيها جميعا ثم نمضي إلى كتب الجغرافيا فلا نجد لها اسما ولا رسما.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة