أميمة مومن
أميمة مومن
336

كيف يجعل منك التعليم آلة؟!

7/7/2018

يبدأ كل شيء عندما تطأ قدماك الصغيرتان باب المدرسة للمرة الأولى، من هناك يدق أول مسمار في نعشك، وفي انتظار تشييعك إلى مثواك الأخير تسجن داخل أسوار مدرسة، استوحى منها Paul Scheuring مخرج مسلسل Prison Break ديكور أحد السجون. ومع أول نشيد وطني يرفع معه علم البلاد يقص شريط مشروع مكننتك، وتنطلق الأشغال على قدم وساق لجعلك على المقاص الذي يُراد لك. تصدح كغيرك من الصغار بعبارات ذاك النشيد الذي لم تكن تجيد نطق عباراته فأين أنت من معانيه، في مشهد درامي مخجل لصبية في عمر الزهور، عيونهم مثقلة بالنعاس وظهورهم محنية بحقائب يضاعف وزنها وزنهم، ليجروا بعد ذلك إلى الفصول حيث يبدأ العرض.

 

يتكدس الصغار في الطاولات المهترئة التي تركها لنا المستعمر جزاه الله عنا ما يستحق ويدخل المعلم مجسدا دور بوعو الذي كان يهابه الصغار سابقا، وهنا تجدر الإشارة إلى أن هذا المعلم قد ذاق الويلات قبل أن يصل إلى ما هو عليه، فإذا كان من المبشرين بالوظيفة العمومية فإنه يعين في إحدى قرى المغرب المنسي دون أدنى اعتبار لمكانته العلمية بل حتى الإنسانية، وذلك حتى تقتل بداخله آخر ذرة من ذرات الثورية التي زرعت به أيام الجامعة، فتتحول وجوه الصغار أمامه من نفوس طاهرة نقية تطلب شيئا من علمه إلى مجرد ألواح خشبية مهمته نقش بعد السطور عليها، فيسب ويشتم ويلعن ولماذا..؟!! لأن أحد الصبية لم يحفظ عن ظهر قلب إحدى القصائد الغبية، والمحفوظات التافهة أو لأنه لم ينجز الواجب المنزلي الذي هو بالأساس من اختصاص ابن الجيران.

 

هناك فئة تشربت من التعليم أكثر مما ينبغي لها فصارت تلتهم الكتب المدرسية التهاما، وتدون ما ينطق به المعلم وتحفظه عن ظهر قلب وكأنه وحي يوحى

أما عن المناهج فحدث ولا حرج، وحسبنا هنا أن نذكر أبرز التجارب العلمية التي يقوم بها الصغار: عملية زرع حبة فاصولياء في قطعة قطن، النفخ في ماء الجير حتى يتعكر، ربط قطبي المولد بالمصباح، وغيرها من التجارب التي تحمل من السذاجة ما يكفي لكبح طاقات الناشئة، وتعطيل حس الإبداع لديهم. وهكذا تمضي ست سنوات من التعليم الابتدائي، يؤخر فيها إدراج اللغة الفرنسية إلى حدود السنة الثالثة، بصيغة أخرى إلى أن يتجاوز الطفل السن التي تخوله أن يكتسب لغة ثانية إلى جانب لغته الأم بشكل سهل، وبالمقابل يلطخون دماغه بمخلفاتهم، ويكدسونه بمعلومات عن تاريخهم المزيف. ولا يمنع هذه المرحلة التعليمية من أن تكون حاسمة في عملية المكننة إلا وجود أساتذة مخلصين، لم يجروا مع السيل الجارف، وظلوا ولا زالوا يقاومون لحمل رسالتهم، فعلمونا حمل القلم، وعلمونا قبل ذلك توجيهه نحو الخير، لكن التضييقيات ما لبثت أن طالتهم هم أيضا، فعسرت مهمتهم، وشددت الخناق عليه.

 

ننتقل بعد هذا إلى المرحلة الإعدادية، ثلاث سنوات أخرى، مختلفة من حيث الشكل لا من حيث المضمون، ينتقل خلالها الطفل من شقاوته إلى مراهق بتمرده، ويتعلم قول لا فيرفع ذاك التلميذ الذي أشبع ضربا في صغره صوته ويده على معلمه، ويشرع في الانتقام. وفي هذه المؤسسة الإعدادية يتعرف التلميذ على المجلس التأديبي وهو عبارة عن محكمة مصغرة، يهابها الجميع وتروج الشائعات عن أنواع العقاب التي يتعرض لها كل من زجت به تصرفاته ومخالفته للأوامر إلى هناك، فتكرس الرهبة في النفوس من المثول أمام المحاكم، ويكرس معها الخوف من المجهول.

 

ثم تأتي المرحلة الثانوية، حيت توضع آخر اللمسات لتصير الماكينة جاهزة. وتعد هذه المرحلة هي الأكثر تعقيدا من بين كل المراحل السابقة وذلك لأن التعامل مع الأطفال يختلف عن التعامل مع البالغين وذلك نظرا لعدة خصوصيات، فعلى سبيل المثال هناك فئة لا تحتاج للمزيد من التعديلات، أفرادها إما مهووسون بكرة القدم، ومستعدون لدفع الغالي والنفيس للحاق بفرقهم وتشجيعها، وإما مدمنون للمخدرات والتي صارت تجارة قائمة بذاتها داخل كل ثانوية تقريبا وعلى عكس أصحاب الشركات الكبرى حافظت على أثمنتها الرمزية مراعاة لجيب التلميذ الذي يمكنه اقتناؤها بأثمنة رمزية أحيانا.

 

وهناك فئة أخرى تشربت من التعليم أكثر مما ينبغي لها فصارت تلتهم الكتب المدرسية التهاما، وتدون ما ينطق به المعلم وتحفظه عن ظهر قلب وكأنه وحي يوحى، لهذه الفئة بالتحديد انشئت المدارس العليا، وذلك لتستنفذ قواها وتجعلها حبيسة المعادلات الرياضية والقوانين الفيزيائية. أما عن أنذل ما جاءت به المنظومة التعليمية فهو التقسيم المجحف للتلاميذ إلى علميين وأدبيين، في غياب توجيه مناسب يرشدهم إلى ما يناسبهم وما يوافق ميولاتهم. وبعد أن يختتم التلميذ مسيرته الدراسية بأن يتوج بشهادة الباكالوريا، يجد نفسه محاربا المجهول في الظلام، وهنا تبدأ قصة أخرى.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة