محمد الأمين عسّاف
محمد الأمين عسّاف
27

ركن العلاقة المحظور .. عن السياسة في المؤسسات التعليمية

8/7/2018

تقوم أركان هذا الكوكب الإنساني في أغلبها على مفهوم العلاقات والتبادل والقوة، فإما أن تكون علاقة تبادل بين ندين -طرفين متساويين في الموازين- وإما علاقة تشارك بين طرفين حليفين، وإما علاقة سيطرة من قوي على ضعيف، ... وتتعدد أشكال العلاقات، فهكذا هو الكوكب نسج على خيوط العلاقات حتى يبقى متماسكاً ومترابطاً بطريقةٍ أو بأُخرى، حتى في العِلاقات الجيولوجية والأنظمة البيولوجية والسيكولوجية وحتى في تكوين الإيديولوجيات البشرية، وتحريك المكونات وهز الموازين السياسية واللعبة الاقتصادية، وفي الأنظمة التعليمية ما أقصد.


لطالما كانت العلاقة في الأنظمة التعليمية تتكون من أطراف قليلة نظرا لقصورها خاصة في القرون ما بين السادس عشر والعشرين بالنسبة لأفراد الطبقة الوسطى والطبقة الدنيا، فهي عندهم لا تتكون إلا من طرفي المُلَقي والمُتَلقي مركز العطاء ونقطة البناء المُعلم والمُتعلم.. وهو ما كان يعرف بالكُتّاب، هذان الطرفان وتتعدد المسميات.


ولكن، مع الفترات الزمنية وتطور العملية التعليمية أصابَ هذا النظام تغيّرٌ وتوَسع في المفاهيم والأطراف الداخلةِ ضمن هذه العلاقة، فلم تعد العلاقة بين مُلقن ومتلق وطالبٍ ومتعلم، فالعملية التعليمية لم تعد كسابقتها ساعةً في أفياء أشجار الحي مع قليل من الترتيل وقليلاً من علم الجبر-إن وجد- في غياب أي ظلٍ مؤسسي أو منهجي لهذه العملية، لا بل أصبحت عبارة عن شطر اليوم في فيء مؤسسة منظمة يحكمها القانون -على الأقل يفترض هذا-، يخاض فيها ما كان من أنشطة وطنيةٍ مجتمعيةٍ أو علمية وعلاقاتٍ مع مؤسسات وما إلى ذلك.

 

لا أجد حجة لمنع العمل السياسي في الجامعات إلا فساداً يخشى من الوعي، واستبداداَ يهاب الحرية، غير أن هذا صار اليوم نهجاً من دولٍ لا تريد للشعوب امتلاك قرارها ولا صناعة قياداتها

وهذا ما جعل العلاقة في النظام التعليمي تتوسع ليدخلها طرف ثالث وهو الكيان المؤسسيُّ بما يحويه من أنشطةٍ وسلالم وظيفيةٍ وإدارية، لتصبح علاقة تعلم مُزجت بالانتماء، وأيضا ليدخلها طرف رابع وهو المجتمع وما له من تأثير وتمثيلٍ فيها، فالجامعات وأنموذجها المصغر -المدارس- لم تعد بالعدد المحصور الذي لا يتجاوز الأفراد أو العشراتِ على أقصى تقدير، فالمدارس أصبحت تظم ما يصل إلى ألاف الطلاب في بعض الأحيان ضمن كيان واحد، والجامعات تصل إلى عشرات الآلاف مما يكون مجتمعاً متكاملاً بحد ذاته فيه كل الأطياف الاجتماعية. ونتيجة لوجود النوعين الاجتماعيين أصبحت ولا يخفى ولا يُنكر الواقع، وسيلة ومكاناً يتم من خلاله بعض السلوكيات الاجتماعية كالزواج.


وليدخل طرف خامس، ففي ضل هذه الأعداد البشرية المهولة أصبحت سوقاً كبيراً ومكاناً للترويج والتسويق فهنا طرف ٌ اقتصادي، وغيرها الكثير من القطاعات، وأصبح في هذا الكيان أطرافٌ عدة تكون علاقات بينها وبين عناصره المهولة، وأما ما أرمي إليه فهو الطرف الذي أُريدَ له ألا يكون، الطرف الذي مُسح عن الأنظار فكان له ما كان من وحشة صنعت في أوساط المجتمع المهول هذا نقصاً وفراغاً من ناحيته، ليعود هذا بالخلل على المنظومةِ الاجتماعية ككل.


ركنُ العلاقة المحظور، سوق الفكر والتفكير، سوق السياسة، هذا الركن الذي يهتم به أصحاب النظرات الواسعة والأفكار الوطنية والطموح الكبير، والمسؤولية بكل تأكيد، أصحاب الطموح الذي لا يجد طريقه في إصلاح الأوطان إلا بالسياسةً، يحتاجون بكل تأكيد إلى مجتمعهم لينهضوا بهذه الأفكار أو ينشروها أو يسوقوها، ليس لهم من الوقت متسع، إلا في ظل هذا الكيان الواسع الكبير الذي يمثل مجتمعهم، لكيلا نبتعد عن السياق كثيراً فما ربط هذا بالجامعة؟


بكل تأكيد لكل طالبٍ رؤيةٌ ولو بسيطة عن جامعته من نقاط قوة أو نقاط ضعف منها يحبه ومنها يريد أن يطوره ومنه يرى إزاحته، ومن المعروف أن التغيير في ظل الكيانات الواسعةِ يحتاج إلى كيانات واسعة -نسبياً- فليس من السهل على الطلاب إيصال أفكارهم أو مقترحاتهم على انفراد، ولن يكون لذلك نتيجة محصلة بالغالب، فلو أرادت الجامعة أن تلتفت لمراد كل طالب لما أنهت منها شيئاً، ولكن في ظل كيانات طلابية وسياسية توحد أفكار العديد منهم وتصقلها وتنسقها وتدمج ما يُدمج منها وتهذبها؛ أصبح عند ذلك أمكانية أكبر لتلبيةٍ أوسعَ وأفضل للمطلب الطلابي، كما أن في هذا توطيداً لعلاقة الطالب وانتمائه لهذا الكيان بكل أطرافه، وأنّ فيه تطويراً لنظرة النقد المجتمعي والمنظومة الرقابية المجتمعية، لأن وجود الكيانات يصنع التنافس ويصنع تسابقاً في العمل، وبكل تأكيد فيه صناعة للقادة والمحركين والمفكرين من الطلاب، وصناعة قواعد مجتمعية لهم ولأيديولوجياتهم، فأوصل هذا الركن لكثير من الإيجابيات ومنها:

لا ينفي أن مثل هذا الركن الكبير الواسع بحاجة لضوابط وتقنين ليأمن المجتمع مخالبه إن أفلت من بين يدي الوطنيين أو الراشدين، ودخلت عليه خطوط فكرة مشوهة

رويترز


1- توطيد علاقة الأفراد في الكيان وجعله اهتمامهم الأول.
2- إيجاد جهاز رقابي طلابي "مؤسسة نقدية" في الجامعات تعمل على تحسين الأداء الجامعي.
3- وجود مثل هذا الجهاز في أوساط الجامعات يشكل جهازاً وطنياً في ظل توسعه وخروجه خارج الكيان التعليمي.
4- تطوير الفئات القيادة والفكرية والسياسية وإنتاج نخب طلابيةٍ تدعم الساحة الوطنية وترفدها مستقبلاً. 
5- وجود تنافس وتسابق بين هذه الكيانات يعمل على تطوير المفاهيم لدى أفراد وأطراف هذا الكيان مشكلاً حالة من الوعي بشكل عام.

هذا الركن الذي يمنع استخدامه أصبح ركناً مهماً في ظل هذا التوسع المؤسسي، حتى بلغ أهمية العناصر الأولى الأساسية أو أدنى بقليل -الطالب، المعلم- ومن أولويات النهوض بالمجتمعات وفكرها وتطويرها وتطوير الكيان التعليمي هي إعادة هذا الركن إلى أوساط الشباب للعمل به وإعطاء هيبة للجامعة في نظر المجتمع واحترامها كمكونٍ أساسي مؤثر في الوطن، ولا أجد حجة لمنع العمل السياسي في الجامعات إلا فساداً يخشى من الوعي، واستبداداَ يهاب الحرية، غير أن هذا صار اليوم نهجاً من دولٍ لا تريد للشعوب امتلاك قرارها ولا صناعة قياداتها، بل وحتى أن هذه الدول تريد أن تركّع دولاً أخرى وتتعدى على سيادتها بأساليب كالحصار والضغط السياسي أو الاقتصادي والتشويه الإعلامي وإدارة الانقلابات بل وحتى التدخل عسكرياً في أحيانٍ أخرى؛ آملة من ذلك عمراً أطول لدكتاتورياتها التي أقامتها على حساب شعوب أخرى وسلبت أراضيها.


طبعاً هذا لا ينفي أن مثل هذا الركن الكبير الواسع بحاجة لضوابط وتقنين ليأمن المجتمع مخالبه إن أفلت من بين يدي الوطنيين أو الراشدين، ودخلت عليه خطوط فكرة مشوهة وما إلى ذلك من مخاوف، وهذا لحفظ المسار التعليمي، وحفظ المجتمع الجامعي من بعض الأفكار التي قد تؤدي إلى تفكُكٍ مجتمعي وتهديدٍ، ولكن ليس مُبرراً قتل الأسد لشدته، فالأقفاص تتعدد حجومها.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة