إسلام عمرو
إسلام عمرو
276

هل المجتمع قاتل للإبداع؟!

9/7/2018

بإرادتنا أو بدونها؛ فكل منا بلا استثناء له دوران يقوم بهما في المجتمع. فأنت تتقلب بين حالين لا ثالث لهما؛ إما أن تؤثر وإما أن يؤثر فيك، مع اختلاف حدة هذين التأثيرين من شخص لآخر، واختلاف نوع التأثير المتروك والمستقبل من إيجابية أو سلبية. ويقع التأثير الأكبر غالبا من النوع اللا إرادي، أو بمعنى أصح؛ "المبرمج"، الذي يتركه الإنسان أو يستقبله بطبيعته ولا يتكلفه.

فمنا من يكون التأثير فيه قوي جدا. فهو تابع لمجتمعه وبالأخص الدائرة القريبة منه، بلا أي تنقية لما يستقبله من أفكار ومعتقدات، ولا يعطي لنفسه فرصة في وسط زحام هذه الأفكار ليسأل نفسه أبسط الأسئلة وأكثرها بديهية؛ "هل أنا حقا أريد هذا؟!". فالاختلاف بالنسبة لهؤلاء ذريعة عظيمة وانحراف عن القطيع، لأن لسان حالهم دائما وأبدا؛ "إذا كان الأكثرية يفعلون كذا ويفكرون بطريقة كذا، إذا فهو الصواب ولا مجال للشك، حتى وإن استشعرت بنفسي الخطأ ورأيت آثاره السلبية علي شخصيا، فحتما العيب في وليس في الفكرة".

لا أشير إلى الاجتماع الحسن والمحمود على المعتقدات السليمة والأخلاق الجميلة، لأن ليس كل اجتماع مذموم. ولكنى أريد أن أسلط الضوء على ظاهرة عدم تقبل الاختلاف في الآخرين، سواء في طرق تفكيرهم أو عاداتهم. فهو رفض لكل ما هو مختلف لمجرد أنه مختلف. فالمجتمعات دائما تجر أفرادها لتتحول إلى قوالب متماثلة، وتمثل الأكثرية القاعدة التي لا ينبغي أن تكسر، وتعتبر حينئذ أي خروج عن هذه القاعدة جريمة لا تغتفر، لأن الناس يرون هذا نوع من تسفيههم والتشكيك في أسلوب حياتهم وفي صحة أفكارهم، حتى وإن اعتقدوا إن في هذا الشذوذ دليل من الصحة، أو على الأقل عدم التضرر من هذا الاختلاف.

 

التقليد الأعمى يقتل الإبداع فينا بصورة عامة في كل جوانب الحياة، من عمل وتعاملات يومية وعلاقات وحتى في الدين وعلاقاتنا مع الخالق

ما أصعب على هؤلاء أن يضربوا سنين حياتهم بعرض الحائط ويعترفوا بأن أفكارهم وعاداتهم التي ورثوها ما كانت إلا طريقة للتعايش مع دائرتهم الاجتماعية تقرب بعضهم ببعض أو سبيل اتبعوه لا إراديا حتى يتقبلهم الآخرين.. فهل بقى مكان داخل هؤلاء للإبداع أو حتى لبعض التفكير النقدي؟

طريق الإبداع والتفكير النقدي الموصل للسمو الروحاني والنفسي طريق وعر مليء بالعقبات، وغالبا يطلق على سالكيه من قبل المجتمعات بالمتمردين لما فيه تشكيك لهوية الأغلبية كما قلت من قبل. على سبيل المثال وليس الحصر، فاتجاه المجتمعات في الوقت الحالي مادي بحت، يرون كل ما هو روحاني أو مبني على مبادئ معينة لا معنى له، وإن كانوا لا يهمشون من قيمة المبادئ والأخلاق لما فيها من خدمة مصالحهم الشخصية في تعاملاتهم اليومية، ولكن لا يعطونها الأولوية وقيمتها الحقيقية.

 

فهي بالنسبة لهم مجرد إطار جميل لتزيين الحائط، وأما القيمة الحقيقية؛ ففي كل ما هو مادي وملموس. يخافون من كل مخالف يسفه من قيمهم ويزيل هذا الإطار الجميل من الحائط ويعطيه قدره الحقيقي. فهذا الفعل الشاذ بالنسبة لهم سيثير كثير من التساؤلات لديهم، ولا أحد يريد الخوض في هذه المنطقة لما فيها من تعكير لصفو حياتهم وروتينها.

التقليد الأعمى يقتل الإبداع فينا بصورة عامة في كل جوانب الحياة، من عمل وتعاملات يومية وعلاقات وحتى في الدين وعلاقاتنا مع الخالق. لا أقصد أن نزيد أو ننقص في الدين بجهل وافتراء، بل المقصود هو الإبداع في التعامل مع نفسك ومع الله عز وجل في حدود معينة ومرسومة طبعا، لأن الإبداع يطلق العنان للإنسان إلى اكتشاف ومعرفة نفسه، ومن وفق لهذا فقد وفق لأعظم النعم، فتكون نفس الشخص أمامه كخريطة واضحة يعلم بها أسهل الطرق وأقلها جهدا ليسلك أي طريق قد عزم على سلوكه.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة