ما قصة كل هذا السخط على عهد التميمي!

1/8/2018

ما يتم تداوله حول وسائل التواصل من إرجاع أسباب تحول عهد التميمي لرمز فلسطيني بناءا على لون بشرتها الأشقر ولون عيونها الزرقاء، يذكرني بما قاله السفير الاسرائيلي السابق لدى واشنطن "مايكل أورن" عن تشكيكه بأصول أسرة هذه الفلسطينية بسبب لون بشرتها الأشقر وعيونها الزرقاء، وهو بمثابة كارثة حقيقية لا تخدم سوى دولة الاحتلال الزائلة.

فمنذ الإفراج عن الأسيرة الفلسطينية ابنة السبعة عشر عاما عهد التميمي، لم تفتأ تهتف أصوات محاولة النيل من صورتها، عبر منصات التواصل الاجتماعي، في محاولة للتقليل من أهمية هذا الحدث، وكأن عهد ليست ابنة القضية التي تنتمي إليها هذه الأصوات.. فما الأمر يا سادة!

ألم يصبح الطفل "محمد الدرة" رمز الانتفاضة الثانية، على الرغم من وقوع الآف الشهداء الأطفال في دائرة استهداف آلة القتل الصهيوينة.. ألم تكن الناشطة الأمريكية ذات الأصول اليهودية "راشيل كوري" رمزا لفلسطين، بسبب تعرضها للدعس بجرافة الاستيطان الصهيونية وهي تحاول إيقاف هدم أحد منازل الغزيين.. ألم يتحول الطفل السوري الغريق "إيلان" إلى أيقونة سورية هزت العالم وغيرت مسار اللجوء السوري في دول أوروبا، بالرغم من غرق الآف الأطفال حول العالم في بحار اللجوء المظلمة.. فلماذا كل هذا الهجوم على عهد!

عهد ابنة قرية النبي صالح، التي قضم جدار الفصل العنصري من أراضيها لصالح مستوطنة "حلميش"، شاركت منذ عمر الرابعة مع والديها في العديد من المسيرات والمظاهرات

لا داعي لكل هذه التصورات التي خلقناها حول أسباب تحول عهد لأيقونة فلسطينية، ولا توجد مؤامرة كونية تدعو لكل هذا السخط على عهد التميمي.. وليس هناك أسباب سيكولوجية لها علاقة بلون البشرة الشقراء والعيون الزرق.. لنعود معا إلى قصة "عهد" منذ البداية، فمن هي عهد، وكيف تحولت لأيقونة فلسطينية، ولماذا لم تخرج هذه الأصوات عند اعتقال عهد ووالدتها، وهل عهد وليدة اليوم أم أن أصواتا خرجت علينا لا تدري بعهد منذ كانت وسائل إعلام عالمية تتناقل صورتها وهي طفلة تضرب جنود الاحتلال قبل سنين؟

بدأت قصة "عهد" خلال مسيرة سلمية مناهضة للاستيطان في قرية النبي صالح الواقعة غرب رام الله، في آب أغسطس عام 2012، حيث برزت إعلاميا أثناء تحديها لجنود الاحتلال الإسرائيلي، الذين اعتدوا عليها وعلى والدتها الناشطة "ناريمان التميمي"، في مشهد تناقلته وسائل إعلام عالمية، وكانت عهد لم تتجاوز الأحد عشر عاما وقتها، إذ تمكنت ووالدتها من تخليص شقيقها محمد من يد قوات الاحتلال التي حاولت اعتقاله، وقد التقطت كاميرات الإعلام ذلك الموقف.


عهد ابنة قرية النبي صالح، التي قضم جدار الفصل العنصري من أراضيها لصالح مستوطنة "حلميش"، شاركت منذ عمر الرابعة مع والديها في العديد من المسيرات والمظاهرات رفضاً للسياسات التي تفرضها السلطات الإسرائيلية ضد منطقتها، وكانت لا تتخلى عن المشاركة في المسيرة الأسبوعية كل يوم جمعة في القرية ذاتها، رافعةَ شعار "اخرجوا من أرضنا.. فهذه الأرض ليست لكم".


كانت مشاركة المتضامنين الدوليين في مسيرة النبي صالح منذ العام 2009، كاحتجاج أسبوعي لأهالي القرية ضد جدار الفصل العنصريّ، له الأثر البالغ في التفاف وسائل إعلام غربية حول "عهد التميمي" وابنة عمها الطفلة "جنى التميمي" (11 عاما) والمعروفة في وسائل الإعلام العالمية بأصغر طفلة مراسلة في العالم، تنقل معاناة الشعب الفلسطيني، كما وصفتها شعبة الاستخبارات الإسرائيلية في وزارة الشؤون الاستراتيجية، في تقريرها السري، بأنها تهدد أمن إسرائيل!!


مرة أخرى عادت عهد التميمي في 19 ديسمبر عام 2017، لتتصدر صفحات الأخبار ووسائل التواصل الاجتماعي لتصديها للجنود، وقد أظهر مقطع فيديو، تم تداوله على نطاقٍ واسع صفعها لجنديين مسلحين، ما أدى إلى اعتقالها فجر ذلك اليوم من منزلها، بعد أن أقدمت أكثر من عشرين دورية إسرائيلية على اقتحام منزلها في ساعةٍ متأخرة من ليلة الثامن عشر من شهر كانون الأول (ديسمبر) من ذات العام، فيما اعتقلت والدتها ناريمان التميمي من أمام معسكر بنيامين شمال رام الله، حين كانت في طريقها لمعرفة وضع ابنتها التي اعتقلت في ذلك اليوم.


لقد عمد الاحتلال على النيل من "عهد" التي صفعت جنوده الجبناء باعتقالها ووالدتها لكسر صورة الصمود الفلسطيني، وفي محاولة منه لاستعادة هيبة جيشه البائس أمام العالم، بعد انتشار مقطع الفيديو الذي أذل "الجيش الذي لا يقهر" كما يدعي قادته. كما أن تصريحات معسكر اليمين المتطرف في إسرائيل ضد "عهد" منذ اعتقالها حمل طابعا عنصريا وإجراميا، أسهم بجلب التضامن العالمي والدولي حول القضية الفلسطينية، كتصريح عضو الكنيست الاسرائيلي "بتسالئيل سموتريتش" من حزب (البيت اليهودي) اليميني، الذي قال فيه "كان عليها (عهد) أن تصاب برصاصة في ركبتها على الأقل، مما كان سيضعها في الإقامة الجبرية مدى الحياة".

عهد التميمي ومنذ طفولتها تعرضت، للإصابة ثلاث مرات برصاص الاحتلال، إضافة لإصابتها بكسرفي بيدها.. فليس من العدل والحكمة تبني أصوات تقلل من حجم التميمي وعائلتها، فتاريخ هذه العائلة حافل بأشكال المقاومة الشعبية. كل هذه التفاصيل أسهمت في انتشار واقعة اعتقال الفتاة الفلسطينية عهد التميمي، عبر وسائل الإعلام العالمية، فلم تكن سيرة آل التميمي بمقاومة الاحتلال وليدة يوم الإفراج عنها فقط، إنما هي مخاض لمسيرة طويلة ابتدأت منذ نعومة أظافرها.

ما يشاع حول والد عهد التميمي بتأييده لنظام الأسد بدمشق، هو انزلاق خطير يعيدنا مرة أخرى لدوامة الإنقسام ويخلط الأوراق ببعضها، فلم تكن القضية الفلسطينية يوما من الأيام محاصرة بانتماءات حزبية أو مذهبية أو دينية

الجزيرة
 

وليس من المنطق أن يخرج علينا البعض بعد كل هذا، ليقارن حالة استقبال الأسيرة عهد التميمي بالتزامن مع استقبال أسيرة فلسطينية أخرى، فقضية احتشاد الإعلام حول عهد على غيرها من الأسيرات، لا تنحصر لمجرد حدث الأسر والإفراج، ولكنها تحمل أبعادا مختلفة خلقتها ظروف نشأة عهد منذ طفولتها، كما أنه لا يمكن لأحد أن ينكر حالة استقبال الأسيرة القسامية، "أحلام التميمي" على سبيل المثال، وكيف أصبحت أيقونة للمقاومة الفلسطينية المسلحة حتى يومنا هذا، فلماذا لم تعترض ذات الأصوات يومها على حالة "أحلام" باختلاف أسيرات أُخريات!

شعبنا الفلسطيني يتجرع في كل يوم مرارة الانقسام على كافة الأصعدة، وهو انقسام لا يخدم إلا دولة الاحتلال، فالساحة الفلسطينة لا تتسع لمثل هذه التجاذبات الجانبية، وفلسطين لا يحدها انتمائات دينية ولا شعارات حزبية ولا لون أشقر على لون أسمر.. وما يشاع حول والد عهد التميمي بتأييده لنظام الأسد بدمشق، هو انزلاق خطير يعيدنا مرة أخرى لدوامة الإنقسام ويخلط الأوراق ببعضها، فلم تكن القضية الفلسطينية يوما من الأيام محاصرة بانتماءات حزبية أو مذهبية أو دينية، ولم يفرق شعبنا بين رموزه بناءا على الخلفيات السياسية أو الألوان الفصائلية، فدستور فلسطين كان وما زال من البحر إلى النهر، لا خارطة طريق له سوى درب المقاومة بكل أشكالها.

قضيتنا يا سادة تنصب على مقاومة الاحتلال بكل الأشكال والوسائل، وعليه يجب استثمار كل ما يمكن تحويله لرمز وأيقونة عالمية من أجل مناهضة الاحتلال. وإن جلب التضامن العالمي حول قضيتنا أولوية، ولا يُسقط ذلك تقصير المؤسسات الفلسطينية والإعلامية عن دعم وتقدير باقي أسيرات وأسرى فلسطين، ولكنه بنفس الوقت لا يعطي الشرعية لأحد بتحقيق مراد الآلة الاعلامية الصهيونية التي تسعى لإسقاط رموز شعبنا الفلسطيني من خلال دس السم بالعسل.

ولأسيراتنا البواسل في سجون الاحتلال، إن أسماعنا وقلوبنا تتألم في كل يوم لصرخاتكم، ولنداءاتكم المنطلقة عبر قضبان الزنازين الزائلة بثباتكم نحو سماء الحرية، أنتم السجانون وهم السجناء.. أنتم الأحرار ونحن أسرى عجزنا.. إلى الأسيرة البطلة، إسراء جعابيص (محكومة 11عام)، والأسيرة البطلة شاتيلا أبو عيادة (محكومة 16 عام)، والأسيرة البطلة ميسون الجبالي (محكومة 15 عام)، والأسيرة البطلة نورهان عواد (محكومة 13عام).. إلى ستين أسيرة فلسطينية، بينهم سبعة عشر "أم".. لكم "المجد" وألف تحية وسلام..

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة