النور عادل
النور عادل
2.6 k

إذاعة للمثليين بتونس.. هل أصبحت أزماتنا "جنسية"؟

10/8/2018

في خضم الأخبار المتلاحقة والمؤسفة غالبها عن المنطقة العربية الإسلامية كافة طالعتنا "البي بي سي" اللندنية عن خبر السماح لمصور أمريكي بتصوير الآلاف عراة بأستراليا. وفي نفس الموقع تنشر الـ "بي بي سي" خبراً عن أول إذاعة بتونس تتحدث بلسان المثليين إذاعة "شمس راد" وقد تابعت من قبل كثيراً من عناوينها المحتفية تارة والمتألمة أخرى لأوضاع المثليين جنسياً في الوطن العربي والإسلامي فهي قناة متحررة علمانية التوجهات داعمة قوية لملف الحريات على المذهب السيداوي. وهو مما يثير الفكر عن سؤال الأخلاق والسياسية وتقاطعاتها.

 

نحاول تسليط الضوء على مغزى دعوات المثلية ودعاة الإباحية عموما بالوطن الإسلامي عامة. وأين مراعاة الخصوصية الثقافية لكل بلد كما يزعمون؟ وهل هو أحد شروط النهضة للأمة الإسلامية أن يعطى الشواذ حقهم في هتك نسيج المجتمع المسلم بدعاوى المثلية وحق اختيار النوع والميول واحترام الرغبات. وتونس الآن هي نموذج من نماذج عدة لتسلط التيار العلماني وفرضه الأيدولوجيا العلمانية بحذافيرها فتونس الرسمية لا تزال تدين بالولاء للتقاليد العلمانية وهي الأقرب للعلمانية الفرنسية التقليدية التي تدين وتجرم تعدد الزوجات باعتباره إهانة للمرأة وتكريسا للذكورية وبنفس الوقت تبيح وتستجيز اتخاذ الاخدان والخليلات وأكثر من عشيقة وهذا تحرر بالطبع وليس فيه امتهان للمرأة واللبيب بالإشارة يفهم.

 

فبالرغم من المعاناة الاقتصادية التي تمر بها تونس ما بعد الثورة المظفرة يشمر التيار العلماني سواعد الجد والهمة في إرساء نموذج أيديولوجي للدولة العلمانية الراديكالية. فبدلا من تقديم الوظائف وفرص العمل لآلاف العاطلين عن العمل وإصلاح اللحمة الوطنية المتشظية ما بين معسكري الإسلاميين والعلمانيين سعت التيارات الليبرالية في إخلاص شديد إلى الاستجابة لنداء الأيدولوجيا الضيق على نداء الوطن الفسيح وحاجاته الراهنة.

 

إحدى أخطر معضلاتنا اليوم كأمة مسلمة باتت في نخبة مثقفة تعيش يوتوبيا وتحلم بالتحقق الفكري ولو حساب وجودنا على ظهر الكوكب

فكانت أن بدأت إذاعة "شمس راد" الصدع بالأغاني والحوارات حول المثلية الجنسية كأول إذاعة في شمال إفريقيا تحوذ قصب السبق في إعلان صوت المثليين. وكأن معضلة الوطن الآن هي في حفنة تحتاج لعلاج عاجل وتأهيل نفسي خاص. وحتى لا يظن أن هذا الرأي متطرف من كاتب محب للإسلام والعفة لنأخذ رأي أهل التخصص ونعطي الخبز لخبازه كما يقال.

 

تقول الدكتورة ميريام جروسمان في كتابها الموسوم بـ (الإباحية ليست حلا) تحت فصل فرض الأيدولوجيا الإباحية أجيال في خطر، كتبت تقول "السياسات الردايكالية متغلغلة في مهنتي إلى الحد الذي أضحت معه طاردة لكل مبادئ العقل والفطرة السليمة، إلى عهد قريب كان الطبيب النفسي يُسمي علاقات الجنس الكاجوال نشاطاً غير عقلاني وخاوي، قبل أن يكمم الصواب السياسي عقولنا وأفواهنا في التسعينيات، كان طبيب الجامعة يوكّد للطلاب أن الحب والعفة يحققان البهجة ولديهما القدرة على تحرير المشاعر. وهما أفضل تأمين ضد الأمراض المنقولة جنسيا. كان الإجهاض والحمل غير المرغوب فيه قضايا جادة ذات شأن عظيم".

 

".. استوعبنا حقيقة أن الرجال والنساء جنسان مختلفان للغاية ولم يكن لدينا خوف من الاعتراف بذلك. كان واضحاً أن الغراميات خارج إطار العلاقات الجادة قد تشكل خطراً وأن الحكمة قد تقتضي من امرأة شابة أن تنتظر حتى تجد شخصاً جاداً. كان أي مرض منتقل جنسياً حتى ولو كان من السهل شفاؤه يعتبر مسألة خطيرة. ساهمت مهارات ضبط النفس في بناء الشخصية وكان بناء الشخصية غاية قيّمة تستحق البذل كانت بعض السلوكيات تُعتبر غير طبيعية وكان من يمارسونها في حاجة للمساعدة. كان الزواج التقليدي والأبوة والأمومة خطوات حياتية قيّمة أن تبحث عن معنى وتبذل التضحيات من أجل شيء أسمى كانت تلك مساعي نبيلة ترسم ملامح إنسانيتنا. لكن الأمور الآن تغيّرت".

 

فالأمر لا يعدو كونه ابتداءا نوع من الابتزاز السلوكي الهش لتونس ما بعد الثورة في إعلان مطالبة حق الشذوذ في بلد عربي إفريقي مسلم ذو نسيج ثقافي أقرب للإسلام وروحه رغم جهاد الفرانفكونيين الوفي في مجالات الأدب والسياسة والفكر والفلسفة والسرد والدراما جهاد حثيث لجر تونس ناحية برج باريس ومحاولات محو تونس الزيتونة منار العلم إلى تونس نسخة باريسية صاغرة.

 

إن دعاوى الإباحية في الوطن الإسلامي ونركز على الإسلامي بشدة لأن غالبية الشعوب بحسبة بسيطة مسلمة وحتى مسيحية مستنكرة لمثل هذه دعاوى تماماً. تأتي الدعاوى في وقت تعاني أوروبا نفسها من ويلاتها تقول الدكتور جروسمان في كتابها آنفا "أصبحت مراكز الاستشارات النفسية الجامعية أكثر انشغالاً من أي وقت مضى في دراسة أجريت عام 2005 أنه في 90 بالمائة من تلك المراكز حدث ارتفاع في عدد الطلاب الذين يُكتشف بعد الفحص إصابتهم بمشكلات نفسية خطيرة تضاعف عدد ساعات الاستشارات النفسية. 91 بالمائة من المراكز احتجزت طلاباً بالمستشفى لأسباب نفسية وأكثر من 36 بالمائة من الطلاب حاولوا الانتحار مرة أو أكثر".

 

وتكتب جروسمان بقلم الثقة العاجز ألماً ممضاً لتواصل كشف عوار الإباحية الجنسية التي يبشر بها دعاة الإباحية الآن كحل لمأزق الإنسان المسلم المعاصر تقول "أشاهد التبعات بشكل يومي. السلوكيات الخطيرة ليست أكثر من خيارات شخصية إصدار الأحكام ممنوع لأن ذلك قد يتسبب في جرح المشاعر. علينا أن نتعامل وكأن لدى الطلاب شركاء بلا توصيف نوعي ما الفرق الذي يمكن أن يحدثه كون الشريك شاباً أو فتاة؟ أصبحت مضطرة لحضور ورش عمل التعددية الثقافية من أجل زيادة حساسيتي ووعيي ومواجهة العنصرية الجنسية والعرقية والفوبيا من المثلية".

 

إننا الآن بحاجة لوقفة جادة صادقة أمام سيل الإباحية الجديد والذي لو تأملناه بجد لهو أخطر على كياننا كأمة مسلمة من خطر صواريخ كوريا الشمالية وإيران والعالم أجمع

رويترز
 

وتضيف بأسى مرير وهي المتخصصة المكممة في سيرك البهلوان السياسي الغربي المستبد ببرود "عليّ أن أتوقف عن التفكير في أن الرجال والنساء متضادان كما في تضاد الجنس والجنس الآخر لا ينبغي أن أستخدم هذا المصطلح كما تؤكد اللجنة حتى نتجنب الاستقطاب. لا أستطيع القيام بوظيفتي مرضاي يعانون وقد طفح الكيل". طفح الكيل عندهم وهم أصحاب المنطق المادي الصرف وهم السباقون بالدراسات النفسية والاجتماعية حديثاً لكن فطرت بعضهم لا تزال تتوهج وتصرخ من بين ركام الروح المخنوقة هناك.

 

وهنا سمة تساؤلات من الذي يحدد أن هذا جائز وهذا غير جائز؟ من هو المخول له أن يعطي المثليين حقهم في اختيار علاقاتهم ببعض ولما لا يعطي عبدة الشيطان حقهم أيضا؟ ولما لا نتوقع أن تخرج علينا مجموعة من آكلي لحوم البشر تطالب بحقها في أن تكون آكلة لحوم بشرية وفق القانون طالما أن هناك أناس نباتيين لا يأكلون اللحم والعكس. من هو هذا المشرع الأعلى الذي يعطي الحق في قتل الحياة البشرية بهدوء وخبث؟ نحن هنا نتساءل عما قبل الأفكار وروادها من هو الذي يعطي القيمة للفكر ويحلل ويحرم ويشرع كإله مع الله سبحانه وتعالى. ولعل هذا ما وصفه الراحل المفكر الباكستاني كليم صدّيقي بالإيمان العلماني في كتابه نظرية الثورة الإسلامية اذ يقول (هذا الإيمان العلماني وهو دين يقبض عليه أتباعه بقوة كأي دين أخر).

 

أننا الآن بحاجة لوقفة جادة صادقة أمام سيل الإباحية الجديد والذي لو تأملناه بجد لهو أخطر على كياننا كأمة مسلمة من خطر صواريخ كوريا الشمالية وإيران والعالم أجمع. هذا خطر على وجودنا كبشر أسوياء وما لم نأخذ على يد المريض للشفاء عُودينا كلنا ولات حين مندم. إن معضلتنا قديمة أخبرنا عنها رسول الهدى والنور المبين (لتتبعن سنن من كان قبلكم) فنحن نسير للأسف للخلف حتى في الأخلاق ولسنا بتقدميين حتى في الفكر. إن إحدى أخطر معضلاتنا اليوم كأمة مسلمة باتت في نخبة مثقفة تعيش يوتوبيا وتحلم بالتحقق الفكري ولو حساب وجودنا على ظهر الكوكب.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة