كيف ستكون نهاية التاريخ في الرؤية الإسلامية؟

10/8/2018

العقلُ الضيّقُ لا يُنتجُ إلا فكراً ضيّقاً حرجاً، ولا يُفرز إلا غثاءً معرفياً يطفو على السطح. والعقل المنفتح مباينٌ لسابقهِ مباينةَ مصدرهما ودائماً يستطيع أن يستلْهمَ ويبْدعَ ويستشرفَ، في رؤيةٍ تتجاوز الجزئيةَ إلى الشمول، في تناولها قضايا الإنسان والكون والتاريخ. في حكاية التاريخ أيضاً، نقفُ إزاء هذه الرؤية أو تلك، هذا العقل أو ذاك. وبالتحديد، سنقفُ عند فكرةِ نهاية التاريخ (End of history) لنرى معطيات ذلك العقل الضيّق ورؤيته، والعقل المنفتحِ وإبداعه.

معنى نهاية التاريخ، كما بيّنها الدكتور عبدالوهاب المسيري في موسوعته (اليهود واليهودية والصهيونية) هو أن: (التاريخ، بكل ما يحويه من تركـيب وبساطة، وصيرورة وثبات، وشوق وإحباط، ونبل وخساسة، سيصل إلى نهايته في لحظة ما، فيصبح سكونياً تماماً، خالياً من التدافع والصراعات والثنائيات والخصوصيات، إذ إن كل شيء سيُردُّ إلى مبدأ عام واحد يُفسِّر كل شيء (لا فرق في هذا بين الطبيعي والإنساني). وسيُسيطر الإنسان سيطرة كاملة على بيئته وعلى نفسه، وسيجد حلولاً نهائية حاسمة لكل مشاكله وآلامه). هذه الفكرة استحوذَتْ على الإنسان منذ القديم، فقد أوقفَت اليهود التاريخ عندها، على اعتبار أنهم شعب الله المختار، فأحداث التاريخ حسب زعمهم لا تتكرّر ُولا تتعاقبُ، وإنما تتخذ طريقاً واحداً مستقيماً لاستكمال هدف اليهود بالعودة إلى أرض الميعاد، لاستقبال المسيح المنتظر (الدجّال)، والحكم على أمم الأرض! طرحَ كارل ماركس الفكرة نفسها، فبانهزام الرأسمالية وتحقيق الىوتوبيا الشيوعية، وبناء الجنّة الأرضية، سينتهي التاريخُ ويجمدُ على المنهج الماركسي. لكن الشيوعية لم تستطع أن تعيش أكثر من عمر إنسان، فضلاً على أن تكون نهايةً لتاريخ البشرية!

تقوم الرؤية الإسلامية على إعطاء التاريخ فاعليته وحركته المستمرة، حتى في أشد لحظات الازدهار الحضاري للمسلين، والذي استمر لقرون عديدة

أراد الزعيم الألماني هتلر أن يوقف التاريخ عند الرايخ الثالث، وتحقيق الرخاء الأزلي للشعب الألماني!ثمّ دقّ المفكر الأمريكي فرانسيس فوكوياما إسفينا آخر لتثبيت هذه الفكرة، إثر تفكك الاتحاد السوفيتي وسقوط المعسكر الاشتراكي، فأعلن عن وقوف التاريخ على النّموذج الليبرالي الديمقراطي الأمريكي، وزعم أنه ما من أيديولوجية يمكن أن تحلّ محلّ التحدي الديمقراطي التقدمي! تقترب الفكرة المسيحية من اليهودية في تصّور نهاية التاريخ، بل وتتقاسمان معاً ذلك التصور، فمنذ الشرخ العميق الذي أحدثه شاؤل اليهودي (بولس) في جدار المسيحية، وتحويله من التوحيد إلى الوثنية، باتتْ الفكرتان تصبّان في غاية واحدة وتصبوانِ إلى مآلٍ واحدٍ. فالفكرة المسيحية لهذه النهاية تتلخص في قدومِ المسيح عليه السلام إلى الأرض، ورفع أتباعه فوق السحاب، لتخليصهم من محرقةِ معركةِ (هرمجدون)، كما صورها سفر رؤيا يوحنا اللاهوتي، فتكون النهاية السعيدة للنصارى بما يُعرف بـ (الألفية السعيدة)، وتقوم مملكة الربّ على هذه الأرض! هذه النهاية تناولت الكاتبة والصحفية الأمريكية (غريس هالسل) شرحها، وتوضيحاً في كتابيها (النبوءة والسياسة) و(يد الله فوق إسرائيل). ونقطة التلاقي بين الفكرتين ـ اليهودية والمسيحية ـ هي في أن عودة المسيح لا تتحقق إلا بعد أن يرجع اليهود إلى فلسطين أرض الميعاد، تحقيقاً لنبوءات الكتاب المقدس!

فينكشف الغطاءُ عن هذا التداخل الصارخ، والرؤية الموحدة في رسم خارطة طريق نهاية العالم. إذ أن فكرة الألفية نفسها، وفكرة المخلص أيضاً يهوديةٌ، يمكن كشفِ خيوطها الدقيقة في وقت مبكرٍ من تاريخ المسيحية كما قلنا، عندما أدخلَ الخرّاص اليهودي (شاؤل) بدعته الكفرية في المسيحية، وقدم المسيح على أنه إلهٌ ليس ببشرٍ. مما جعل النصارى ينتظرون مسيحاً إلهاً، وعندما يأتي (المسيح الدجال) ويقدم نفسه على أنه إلهٌ سيهرول إليه المسيحيون، بينما ينصرفون عن المسيح الحق الذي سيقدم نفسه على أنه (بشر)! وبذلك مهدّ (بولس) المسيحية لجعلها أداة طيّعة لخدمة اليهود وأطماعهم! ثم كان للراهب الألماني مارتن لوثر (1483 ـ 1546)، مؤسس الحركة الإصلاحية البروتستانتية، أثره البيّن في تبني المسيحية للفكرة اليهودية القائلة بوجوب عودة اليهود إلى أرض الميعاد وإقامة دولتهم فيها، فقد كان لوثر يؤمن بالتفسير الحرفي لنبوءات الكتاب المقدس، وعندما هاجرت البروتستانت إلى أمريكا بعد اكتشافها، انتشرت تلك العقيدة المهجّنة وتعمّقت فيها، فظهرت (المسيحية المتصهينة) والفرد (الصهيو مسيحي)، والسياسة المتصهينة التي تؤمن بضرورة عودة اليهود إلى فلسطين. وتقوم اليوم وسائل الإعلام المسيطر عليها من قبل اليهود، بل والكنائس أيضاً في ترويج هذه العقيدة، وبمطالعة محاضرة الصحفية الأمريكية غريس هالسل (ما لا يعلمه مسيح والولايات المتحدة عن إسرائيل) يتضح مدى التوغل اليهودي الصهيوني في عمق الحياة الأمريكية وسياستها، وكيف تتم عمليات غسل دماغ الملايين! يتضحُ من هذا العرض الموجزِ الفكرة اليهودية ـ المسيحية القائمة على إيقاف صيرورة التاريخ واستمراريته، في تصورهم مجيء المسيح (الدجال عند اليهود ـ الإله عند المسحيين).

فماذا يقول الإسلام عن التاريخ ونهايته ؟ تقوم الرؤية الإسلامية على إعطاء التاريخ فاعليته وحركته المستمرة، حتى في أشد لحظات الازدهار الحضاري للمسلين، والذي استمر لقرون عديدة، لم يدرْ في خَلد أحد أن يقول بنهاية التاريخ وتوقفه. التاريخ في الرؤية الإسلامية لا يتوقف ولا يعرف سكوناً ولا نهاية، إلا بانتهاء الحياة على هذه الأرض، إنه حركةٌ دائبةٌ مثابرةٌ، تدافعٌ مستمرٌ يبدأ بالفرد مروراً بالحضارات، لا يؤمن بالمياه الراكدة، ولا يؤمن بسلبية الإنسان والتاريخ على هذه الأرض، ولا بتجميدهما في نقطة ما. وبالرغم من أن الإسلام يُقدمُ نفسه على أنه الحقيقة المطلقة ـ وهو كذلك ـ فهو يدفع الإنسان (كل إنسان)، في الأرض (كل الأرض) نحو فاعليةٍ حضاريةٍ متجددةٍ، يفتح أمامه الآفاق، بل ويعطيه سرّ النجاح والتفوق! ولا يخشى من ذلك ولا يرهب، فهو يعلم يقيناً مدى قوته وصلابته، ولذلك لا يخشى من الوضوح والصراحة. إن الإسلام لا يعلم الانغلاق على الذات، وعقيدته مفتوحةٌ مرنةٌ قابلةٌ لاستقبال طاقات الحياة كلها، ومستعدة لِتلقِي كل جديد. لا يقول إن التاريخ سيُصاب بالسكون في لحظة ما ويتوقف عن الحركة والصيرورة، بل يؤكد على استمراره وتدافعه عبر مجموعة من القوانين والسنن التي أثبتها الله تعالى في خلقِه، وبيّن بعضها في كتابه العزيز، سننٌ لا تحابي أحداً ولا تداهنُ، قوانينُ لا تتغير ولا تتبدل، منها:

ـ قانون التدافع "وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا".

ـ قانون التداول، أي التغير الدائم، وعدم الثبات لصالح طرف "وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاس".

ـ قانون التغاير "وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً".

ـ قانون صعود وموت الحضارات "وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ".

ـ قانون التغيير "إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ".

وغيرها من القوانين التي أناط القرآن الكريم اكتشافها لبني البشر. فليس من سنّة الله تعالى الجمود المطلق وانعدام الحركة والفاعلية التاريخية. وبذلك نرى اختلافاً جذرياً واضحاً بين الرؤى القاصرة للحياة والتاريخ، تنبع من تصوراتٍ قلقلةٍ تحاول إغلاق الأبواب دون الآخرين، وبين الرؤيةِ الإسلاميةِ المنفتحة، النابعة من صميمِ المنهج الإلهي، الذي يفتح الآفاق أمام الإنسان، ليدفعه قُدماً دونما انغلاق أو توقف عن الحياة والإبداع، ودونما تجفيف للأشواق الإنسانية للمعرفة والترقي والطموح. إن الإسلام يؤصل الحركة الديناميكية للتاريخ وتدفقه وتجدده، حركةً تتناغمُ وتنسجمُ مع حركةِ الكونِ نفسه، ولن تنتهي تلك الحركة إلا بانتهاء البشر أنفسهم!

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة