مسلم عباس
مسلم عباس
736

هل يستطيع حزب الدعوة العراقي النهوض من جديد؟

10/8/2018

أفرزت انتخابات البرلمان العراقي لعام 2018 خسائر ونجاحات لكتل مغمورة وأخرى عريقة سحقت تحت رحمة الناخب العراقي، ومن بين أكبر الخاسرين هو حزب الدعوة، وقائمته القوية "دولة القانون" بزعامة رئيس الوزراء السابق ونائب رئس الجمهورية الحالي نوري المالكي. لم يكن أكبر المتشائمين يتوقع خسارة مدوية لحزب الدعوة بالطريقة التي حدثت، ففي الوقت الذي انخفضت أسهمه السياسية إلى أدنى حد، صعد خصمه اللدود "التيار الصدري" والمنضوي تحت قائمة "سائرون" متصدرا جميع القوائم الانتخابية، ومن ضمنها قائمة "النصر" بزعامة رئيس الوزراء حيدر العبادي وقائمة "الفتح" لقوى الحشد الشعبي.


خسارة حزب الدعوة وزعيمه نوري المالكي بالإضافة إلى أبرز الشخصيات الكبيرة في الحزب ينذر بتقليل حظوظه السياسية إلى أدنى حد في السنوات الأربع المقبلة، ويمكن أن يستبعد الحزب من المشهد السياسي العراقي عموما في ظل تزمته بآرائه وعدم قبوله بالأمر الواقع.


وستشارك الأحزاب الشيعية في التعجيل بموت حزب الدعوة الذي أصبح عقبة أمامها خلال سنوات حكمه السابقة، إذ يعتبره تيار الحكمة بزعامة عمار الحكيم، قد خان الاتفاقات السابقة، فالحكيم هو الذي ساعد في صعود المالكي لدور رئاسية ثانية، بالتعاون مع التيار الصدري والأحزاب الكردية فيما عرف باتفاق أربيل، لكن هذه الأحزاب الشيعية ترى أن المالكي وحزبه تنصل من الاتفاقات وحاول سحق شركائه الشيعة واهتم بتعزيز نفوذ حزبه فقط، وهذا واضح من تصريحات قيادات في الحكم تستبعد فكرة بقاء رئاسة الوزراء بيد حزب الدعوة، يضاف لها اللقاءات التي جرت خلال الفترة الماضية، أغلبها كان المحور الأساسي فيها "ائتلاف الصدر"، وليس المالكي كما تعود الشارع العراقي طوال السنوات الماضية.

هناك تخوف كبير من بقاء حزب الدعوة وتعزيز نفوذه في البلاد، ففي دول الخليج هناك "فوبيا عودة المالكي" التي زادت من رغبة الخليج بالتخلص منه

على المستوى الشعبي ارتبط الخراب الذي أصاب العراق بحزب الدعوة من خلال الإشارة دائما الى سنوات حكمة في الإثني عشر عاما الماضية بل أن السنوات المقبلة سيرتبط الخراب باسم حزب الدعوة وستشتغل الماكينات الإعلامية من أجل هذا الغرض للتخلص من هذا الحزب للأبد. بالطبع لا ينسى المتابع الموضوعي أن هناك أحزاب أخرى شاركت في ملفات فساد كبيرة إلا أن رأي الشارع هو الغالب.


في الداخل يبقى لدى الحزب مجموعة من الحلفاء صعدوا مؤخرا مثل عصائب أهل الحق أو منظمة بدر التي اكتسبت ثقة جيران العراق مثل السعودية. لكن العصائب ترى في الدعوة مرحلة ماضية تحقق من خلالها هدف قصير الأمد تمثل بإسباغ الشرعية على وجودها وهي اليوم تملك ما يزيد عن خمسة عشر نائبا في البرلمان، ومجموعة مسلحة معترف بها حكوميا ومن ثم فإن التقرب من حزب الدعوة في هذا الظرف الحساس يعني النزول إلى بئر عميقة يصعب الخروج منها.


أما منظمة بدر التي قال زعيمها ذات يوم أن تحالفها مع دولة القانون بأنه "زواج كاثوليكي" فقد بدأ عهد الطلاق إلى غير رجعة، ويهمها الآن الحصول على اعتراف إقليمي وعربي بوجودها ككيان سياسي موثوق، وأي علاقة مع حزب الدعوة ستدمر هذا المشروع. على المستوى الخارجي هناك تخوف كبير من بقاء حزب الدعوة وتعزيز نفوذه في البلاد، ففي دول الخليج هناك "فوبيا عودة المالكي" التي زادت من رغبة الخليج بالتخلص منه لا سيما وأن له سوابق مع هذه الدول مثل الكويت التي تتهمه بالضلوع بتفجيرات خلال الثمانينيات من القرن الماضي.


وفي السعودية تراه المملكة ممثلا للوجود الإيراني وبالتالي فإن عدسة الاستهداف السعودية ستتركز على حزب الدعوة لا سيما وإنها تيقنت من انهيار قاعدته الشعبية التي يمكن أن تعرقل جهود تسقيطه محليا وإقليميا، فالجهود المبذولة سابقا كانت تواجهها عقبة التأييد الشعبي الواسع لنوري المالكي أما الآن فالوضع مختلف تماما والصورة أوضح.


أما إيران التي استفادت كثيرا من حزب الدعوة فسيكون سهلا عليها التخلي عنه، لسبب بسيط أن هناك الكثير من البدائل التي قد تخدم طهران أكثر، وفي ظل ظروف تختلف تماما عن المرحلة السابقة، فهناك تيار الحكمة وائتلاف النصر والفتح، وحتى ائتلاف "سائرون" بقيادة مقتدى الصدر، وهذه التيارات مجتمعة أو منفردة يمكن أن توفر بدائل مفيدة لطهران أكثر من علاقتها مع حزب الدعوة والتي يمكن أن تثير الكثير من التوترات مع الدول العربية في فترة حرجة جدا، في ظل وجود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. 

حزب الدعوة الذي أمسك بزمام السياسة العراقية منذ عام 2006 وحتى الآن يقع في مأزق كبير قد لا يتجاوزه إلا في حال تبني قيادته سياسة تتعامل مع الواقع الذي أفرزته صناديق الاقتراع

الجزيرة
 

لكن رغم هذه الصورة السوداوية أمام حزب الدعوة ربما يستطيع النهوض بنفسه من جديد، فهو الكيان السياسي الذي ولد من رحم الظروف العصيبة في ظل حكومة ديكتاتورية متمثلة بحكومة البعث المقبور، وهناك اتجاه في الحزب يعول على هذه الفرضية إلا أن الواقع يقول غير ذلك، فقيادات الحزب الحالية لا تنظر إلى المستقبل بقدر ما تستهلك من مخزون الجهاد والثقة الذي يبدو أنه وصل إلى النفاذ. هذا المخزون يصعب ملؤه مرة أخرى إلا بأفكار ومنطلقات جديدة تخلو منها أدبيات الحزب حاليا.


خذ على سبيل المثال تفاخرهم لحد الآن بتوقيع المالكي على إعدام صدام، وهو في حقيقته إنجاز سابق انتهى في زمنه، والشعب لم يعد يفكر بصدام إنما يفكر بأمور أخرى مثل الخدمات ومستقبل البلد، ومدى علاقاته الخارجية، وحتى الشخصيات الجديدة التي أضيفت للحزب مثلت عبئا سيئا وسارعت في سقوط الحزب.


حزب الدعوة الذي أمسك بزمام السياسة العراقية منذ عام 2006 وحتى الآن يقع في مأزق كبير قد لا يتجاوزه إلا في حال تبني قيادته سياسة تتعامل مع الواقع الذي أفرزته صناديق الاقتراع، وفي ظل إصرار القيادات المخضرمة على عدم الاعتراف بما هم عليه الآن فإن المستقبل سيكون سيئا جدا لأقدم وأقوى حزب إسلامي في العراق.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة