مجاهد أحمد
مجاهد أحمد
146

هل تقبلين بي؟!

13/8/2018

أذكر جيداً معاوية بن أبي سفيان حين قال مخاطباً – داهية العرب - عمرو بن العاص ماذا بلغ من دهائك؟ فأجابه عمرو: أنه لم يدخل في أمر إلا وقد عرف قبلها كيف الخروج منه. هكذا طوال سنين مضت عاشها المرء لم أدخل مطلقاً في أمر دون أن أتحسس مخارج الطوارئ، الباب، الشبابيك، النوافذ الزجاجية، حتى الشقوق الصغيرة التي على الحائط، لم أعطي ثقتي لأحد قط، احتفظت بها كاملة لنفسي.. حتى كبرت الثقة في داخلي وتضاعفت، وصار المرء يعرف جيّداً ما يريد، وإن كانت حياتي حينها رتيبة وبلا سعادة إلا أنها كانت تسير دائماً وفق الخطة والنمط الذي أريد، بهدوء واطمئنان.

 

لاحظت مبكراً أن السعادة والاطمئنان ربما لا يجتمعان أبداً، كالزيت والماء، الاطمئنان يعني الهدوء ولكنه أيضاً يعني الرتابة، أن تسير الحياة بالشكل الذي تعرفه كل يوم، بلا مفاجئات، حياة هادئة وسلسة، لكنها مملة في ذات اللحظة. أما السعادة فمُتَكلفة، تتطلب منك المغامرة، وحتى عندما تحصل عليها ستبقى تؤرق منامك، وتنهك أقدامك للحفاظ عليها.. وفي النهاية ستغادرك مهما بذلت من جهد لأجل الحفاظ عليها، ستتركك في المنتصف تماماً ولكنها حين تفعل لن تسلمك إلى الرتابة التي وجدتك عندها، بل ستلقي بك في هوة مظلمة من الأحزان التي لا تنتهي.

 

هل تقبلين بعجوز يراك ينبوعاً قد يعيد له شبابه الذي لم يعشه أصلاً..؟! هل تقبلين بأعمى يراك عصى سحرية ويريد من كل قلبه أن يتمسك بك وبقوة لتقوديه حيث النور؟ّ

بالنسبة لرجل لم يغيّر والوسادة منذ عامين لم تكن السعادة خياراً مطروحاً على الطاولة أصلاً منذ البداية، لكن ولأن الأمور لا تسير إلا بالشكل الذي لا نتوقعه فرضت السعادة نفسها علي بالقوة! نعم بالقوة فعندما يضعها القدر هي بالذات هكذا بلا مقدمات في طريقي فهو ببساطة يضع السعادة، السعادة التي لم تضييع كثير وقت وبدأت في الالتفاف حول عنقي بالضبط كحبل مشنقة، لم أخش السعادة في ذاتها، إنما ما سيأتي بعدها.. تلك الهوة المظلمة التي تنتظرني في آخر الطريق.

 

بعد كثير مقاومة، وشد وجذب، انهارت الأسوار، واحتلت جدران القلب، وبدأ عقد الرتابة في الانفراط. يدرك المرء بما تبقى لديه من خلايا رمادية أنه ربما قد تجاوز نقطة اللا عودة، حيث الرؤية الضبابية والفوضى الجميلة، ومع كل خطوة يخطوها المرء يزداد عُتهاً وجنوناً ويقترب أكثر فأكثر من الهوة التي في آخر النفق!

 

والجنون – كما تقول ندى السيد - ليس متعلقاً بطبيعة الأفكار، إنما الجنون يكمن في التصريح بما لا ينبغي التصريح به من أفكار، ولأنك فقدت القدرة على التمييز بين الـ "ينبغي " والـ "لا ينبغي" بدأت في إخراج تساؤلات ما كان ينبغي لها أن تخرج مطلقاً، تساؤلات كانت يجب أن تظل حبيسة الأدراج السفلية لخلايا فؤادك المحتل: هل تقبلين برجل يتكلم العربية والإنجليزية والفرنسية بطلاقة إلا أن التأتأة هي لغته الوحيدة في حضرتك!

 

هل تقبلين برجل يقرأ أكثر من عشرين كتاب في أقل من أسبوع إلا أنه أمام عينيك أمي القراءة والفهم.. هل تقبلين برجل شاب شعر رأسه وهو يقرأ لفرويد، إلدر، ويونغ، حتى صار بإمكانه وبنظرة خاطفة تحليل جميع البشر إلى عواملهم الأولية وفهم مشاعرهم وعقدهم الدفينة، إلا أنه وبرغم ذلك ظل كسيح الفهم عاجزاً عن إدراك ما يشعر به في وجودك! هل تقبلين بعجوز مهترئ الروح عاش حيوات كثيرة على صفحات الورق، على صفحات الورق فحسب، تجنب مرارات كثيرة بفضل الكتب، وتجرع مرارات أكثر بسببها أيضاً. هل تقبلين به أخبريني؟! هل تقبلين بعجوز يراك ينبوعاً قد يعيد له شبابه الذي لم يعشه أصلاً..؟! هل تقبلين بأعمى يراك عصى سحرية ويريد من كل قلبه أن يتمسك بك وبقوة لتقوديه حيث النور؟ّ هل تقبلين بمن جعل منك قضية مقدسة، الموت لأجلها شهادة، وكل تشكيك فيها هرطقة توجب الإحراق؟! هل تقبلين بي؟ أخبريني!

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة