أمين أمكاح
أمين أمكاح
8.8 k

قاتل بصمت.. فالهزيمة لا تليق بك

18/8/2018

لا مفر في هذه الحياة من الظروف القاهرة التي تستدعي القتال ببسالة للتغلب عليها، وتختلف طرق المواجهة بين من يختار طريقا يجاهر فيه بمعاركه الحياتية التي يعيشها؛ بإعلانه للجميع عن تفاصيل ما يمر به ويعانيه منذ بدايته إلى نهايته، وبين من يفضل طريق القتال في صمت فلا يخبر أي أحد من البشر بما يمر به ويكابده ولو ذهب وزال يظل ذلك مكتوما عن غيره، والطريقين اختياريين كل وما يفضله وما يرتاح فيه.

 

ولكن الحديث هنا سيكون عن الطريق الذي تكون فيه المقاتلة بصمت، لأن الذي يسلكه بالذات يحتاج لكمية كبيرة من القوة والتفاؤل والأمل؛ سواء الذي اختار أن يقاتل مرضا مزمنا بصمت وبمفرده دون معرفة غيره، وبدون ما أن يلقى أي دعم من الآخرين، لكن ذلك لم يمنعه أن يتمكن من التغلب على مرضه الفتاك، وكذلك الشأن بالنسبة للإنسان الذي اختار معايشة المحن والمصائب والأوقات العصيبة رغم إحساسه بأن كل العالم واقف ضده ويهاجمه في الوقت الذي يحتاج لمن يسانده فيما هو فيه، لكن ذلك كله لم يحرمه من أن ينتصر لوحده على ما أصابه، والأمر نفسه بالنسبة للإنسان الذي تم تفشيله ومحاولة عرقلة مسيرته نحو القمة، لكنه ظل مثابرا ولم يقف وقفة المستسلم بل كافح بجد وبعزة نفس إلى أن تخطى كل ذلك، ونجح نجاحا كاسحا ووصل لما يصبو له بشرف رغم صراعه المهلك ضد كل ما كان سببا في محاولة إفشاله.

 

أن تعيش ظروف الفشل أو المرض أو الألم وأنت كاتم ذلك عن الناس ليس مخافة منك لما سيصدر منهم من أقوال، وإنما تجنبا للحب الناجم عن شفقتهم وتفاديا من أن تحمل غيرك همك، وتألمك لوحدك وتحملك أتعاب وجعك لنفسك خير من أن تحاول تحسيس غيرك بما تكابده، فلا ترفع شكواك إلى للواحد الديان ولا تناجي ولا تطلب غيره ليذهب عنك ما أصابك.

 

يكثر السائرون في الحياة الدنيا بانهزامية قاتلة تفقد كل معاني العيش في هذا العالم القاسي الذي لا يعطي الفرص سوى للأقوياء الذين لديهم القدرة على البقاء والاستمرار في أصعب الظروف، فالقوي يتحكم دائما في بالضعيف، الأمر الذي جعل السائد هو اعتماد منهج القوة كأسلوب حياة وكأداة لتحقيق الذات للوصول للأهداف الشخصية.

 

أنت بحاجة دائما لجرعة أمل تمنحها لنفسك من دون ما أن تنتظر أن يربت أحد آخر على كتفك، فالهزيمة لا تليق بك وإن خانتك الظروف وطال الطريق

وفي رحلة الحياة نجد فئة كبيرة من الناس التي تقتنع بلعب دور المستسلم فيها؛ هذا ما يجعل المرء يعيش مسالما، ويموت بهدوء، دون إحداث أي تغيير، مما يعني غياب الرغبة الشديدة في مواجهة التحديات وإثبات الذات وتحقيق الأهداف، فلا معنى للحياة بدون ما أن تمتلك القدرة على النجاة في أحلك الظروف المتقلبة.

إن الحياة الدنيا لا تعطي شيئا لمن لا يعرف سوى لعب دور الضحية في هذا العالم، والهزيمة هي لغة لا يجيدها إلا الضعفاء، وما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بها، لهذا فمفتاح الحياة الدنيا، هو الجلد والصبر على الشدائد، وأنه يجب استخدام القوة لأبعد الحدود بعيدا عن كل ما له صلة بالعنف والظلم والانتقام.

 

رغم ما تمر به من حروب حياتية لا يمكن أن يكون ذلك دافعا كافيا لأن تشاطر غيرك ما تعيشه فأنت وحدك من يجني حلو ومر حياتك، وتكلمك عن آلامك وشرحك لمآسيك ومصاعبك التي تواجهها لا يعني أن أحدا سيحس بما تعانيه، بل واجه ذلك بمفردك فأنت أعلم بنفسك وداخلك الذي يحتوي على قوة نابعة من أعماقه لا ينبغي سوى استغلالها وحسن استعمالها، وكما يقول الطبيب النفسي ديفيد فيسكوت في كتابه فجر ﻃﺎﻗﺘﻚ ﺍﻟﻜﺎﻣﻨﺔ في ﺍﻷﻭﻗﺎﺕ ﺍﻟﺼﻌﺒﺔ: "علينا أن نقطع كامل الطريق وبمفردنا مهما بلغت الصعاب".

 

أنت بحاجة دائما لجرعة أمل تمنحها لنفسك من دون ما أن تنتظر أن يربت أحد آخر على كتفك، فالهزيمة لا تليق بك وإن خانتك الظروف وطال الطريق، واجه قساوة ما تعيشه بمفردك وتجاهل مخاوفك ولا تكترث لأي شيء، وهذا مما سيمنح لك مناعة قوية ضد كل ما تواجهه، وفي الوقت ذاته سيجعلك تصحح أخطاءك التي ارتكبت في معاركك الحياتية.

 

كل شيء ينال بعد الكفاح في المعارك الحياتية سواء كان انتصارا أو نجاحا أو عافية أو غير ذلك مما يلزمه التحمل والمكابدة، يكون له طعم خاص لأنك نلته عن جدارة لما تحملت فيه من وجع ومشقة وصبر

مواقع التواصل
 

من السهل علينا أن نتمنى اختفاء ما نواجهه، لكن الأمور لا تتم بهذه السهولة ولا تحتاج للتمني فقط، فإذا لم تواجهها عمليا بكفاحك وتحملك وصبرك فسينتهي بك الأمر بأن تتحكم فيك، لكن كيف نواجه ما نعانيه في هذه الحياة؟ أفضل الطرق التي تساعدك على المواجهة المباشرة لما تكابده هي امتلاك الجرأة المعقلنة لاستخراج القوة الهائلة التي تكمن في باطنك، وستندهش بعد ذلك مما تحمله بداخلك وتم إظهاره.

ماذا يعني أن تقاتل في الحياة بصمت؟ أن تواصل معاركك ولا تبالي بالتصرفات السيئة لغيرك معك، إذ يكفيك مواجهة ذلك بمفردك بعيدا عن ضجيج الآخرين، فلا أحد يملك الشجاعة الكافية لفعل شيء من أجلك، ولا تنسى أنك السبب الرئيسي في تطوير ذاتك، والمسؤول الأول عن تغيير مجرى حياتك وسيرها، وذلك لا يتطلب منك أكثر من الإرادة القوية والعزم الصادق على التغيير، وتأكد أن فرارك من المواجهة لعدم التكافؤ أو العجز عن حسم معركة حياتية سيجعلك تكابد خسائر وخيمة يصعب تجاوزها.

 

يتطلب القتال في المعارك الحياتية الطاحنة حماسة كبيرة يصير الإنسان بها لا يرى سوى الخير في كل ما يقع له، وهذا مما يجعل المرء بعيد كل البعد عن معاقل الهزيمة، وبذلك يصبح حاملا لدافع كبير يحركه لكي يتعب بمفرده وألا يترك أية فرصة للخوف ليستوطنه رغم قساوة ما يعانيه وكثرة ضغوطات الحياة، فيحارب بكل ما أتي من قوة داخلية، ويدع إنجازاته تتكلم بدل منه، لتكون درسا وعبرة لغيره ولمن يحاربوه ويعرقلوه مخافة أن يبصروا نجاحه بازغا أمامهم، لذلك يمنع نفسه من البوح بأوجاعه لأي كان من البشر، ولا يخبر أحدا بتخوفاته ونقاط ضعفه.

 

قاتل بصمت ولا تثق بأي إنسان في ساحة المعركة التي لا ينتصر فيها غير الشجعان، وليس هنالك أي نصيب من الانتصار فيها للمشتكين لغير الله والمتفوهين بما أصابهم للبشر، إذن خطط ونفذ لوحدك ولا تخبر أحدا، وإياك أن تصرخ لطلب نجدة أحد فتمد يدك لكي يتم انتشالك فتطعن طعنة المغدور من حيث لا تحتسب، لا لشيء إلا لأنك وثقت بغيرك وفتحت المجال لهم بأن يستغلوك بعدما أطلعتهم على أسرارك وأخبرتهم بنقاط ضعفك، ليبدؤوا في النيل منك وأنت في أشد لحظات عجزك.

 

وفي النهاية تجدر الإشارة إلى أن كل شيء ينال بعد الكفاح في المعارك الحياتية سواء كان انتصارا أو نجاحا أو عافية أو غير ذلك مما يلزمه التحمل والمكابدة، يكون له طعم خاص لأنك نلته عن جدارة لما تحملت فيه من وجع ومشقة وصبر، فتغمرك بعد ذلك أحاسيس عذبة وفـيضان في مشاعر الفرح بعد جني ثمار تلك الجهود المضنية.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة