إبراهيم بسام خضر
إبراهيم بسام خضر
161

خرافة المصالحة.. حين يصبح القرار الفلسطيني رهين المصالح

2/8/2018

"لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين"، ولكن نحن لدغنا مرات ومرات، هل نحن مؤمنون أم لا؟! لا أدرى ولا أود أن أدرى الآن فليس هذا همي. أحياناً تكون العاطفة الجياشة أمراً جميلاً ولكن في عالم الحكم والسياسة لا مكان للعواطف وحسن النوايا، المصلحة هي اللغز والعنوان والتوجه والخيار في أي أمر يخص عالم السياسة ولا شيء سوى المصلحة.

 

أما خراريف الوطن والهم الوطني والمشروع والوطني والنضال والصراع وما إلى ذلك من مصطلحات ليس لها تعريف حتى الآن في قاموس من يحكمون وطننا، لا أقول أنهم خونة أو عملاء أو أتهمهم ببيع الوطن وما إلى ذلك، لا فقط أتحدث بشيء من الواقعية قد تكون مؤلمة لمن لا يريد التصديق، فكل تلك الأمور المتعلقة بالوطن والنضال من أجل الحرية وتحقيق الأهداف الوطنية ليست ملغية من قاموس من يحكموننا إنما هي مؤجلة وتستخدم في أوقات ومناسبات معينة يكون الهدف من ورائها المصلحة الحزبية (وقد تكون تلك المصلحة الحزبية مصلحة وطنية أيضاً)، لذا فإن المصلحة هي العنوان الرئيس الذي يحكم تحركات كلا الطرفين في هذه المرحلة، ولذلك يجب علينا أن نسأل أنفسنا بكل موضوعية وواقعية عن مصلحة كلا الطرفين في تحقيق تلك المصالحة.

  

إذا نظرنا إلى الأمر نظرة واقعية نرى أن حركة حماس في غزة هي المسيطر الفعلي على معظم مقدرات القطاع سواء ما يتعلق منها بالحكم أو السلاح أو غيرها، فجميع أدوات القوة التي تمتلكها حماس في غزة

إذا سألْنا أحداً من طرفي الانقسام عن سبب عدم إتمام المصالحة يتفنن في التفوه بكلمات الوطنية والهم والتضحيات الوطنية التي قدمها حزبه في سبيل تحقيق المصالحة ونعت الآخر بصفات التعطيل والخذلان أو عدم التمكين وما إلى ذلك، والأدهى من هذا كله أننا نجد من يصدق تعبيراتهم المنمقة والمزوقة، فيصبح الشارع الفلسطيني مسرحاً للوطنية يمثل كل مؤيد لطرف من الأطراف دور الفارس الذي ينتظر خيل التحرير من خصمه الذي لا يعرف ركوب الخيل لينقذ الوطن في زمن الدبابات والطائرات!، وما هو أدهى وأمر أننا نعتقد أن المصالحة هي مفتاح الحل السحري لكل همومنا ومآسينا.

  

ولكي نعي حقيقة هذا الأمر لا بد من توضيح أمران، الأول أن حقيقة جولات المصالحة ما هي إلا خرافة في مسلسل الحكاوي والخرافات التي تبدع قياداتنا في صناعتها لإلهاء الناس وتصوير الصراع بين التنظيمات على أنه صراع لاسترجاع الوطن لا صراع على الحكم والنفوذ والقوة (الغير موجودة أصلاً). أما الأمر الآخر فيتلخص في أن تاريخ الشعب الفلسطيني خاصة والعرب عامة إضافة إلى طبيعة العقل العربي في التفكير وإدارة الوطن يدلنا على حقيقة أننا لن نستطيع الانتقال من مرحلة الصراع بين التنظيمات الفلسطينية والدخول في صراع حقيقي مع الاحتلال إلا إذا حسم هذا الصراع لصالح طرف من الأطراف، فهناك مشروعان واضحان كل منهما يسعى للإطاحة بالآخر، ومن يفوز في هذه الجولة هو الذي سيتحكم بتوجهات كامل الشعب الفلسطيني، أما مسألة التفاهم والاتفاق والتعاون فتقريباً ملغية من قاموس عقولنا.

   

لماذا لا يمكن أن تتصالح التنظيمات الفلسطينية؟

إجابة هذا السؤال بسيطة جداً ولا تحتاج إلى دراسات وأبحاث معمقة حتى نكتشفها، بكل بساطة لأن الصراع بين التنظيمات هو صراع على النفوذ والقوة والسيطرة والحكم لا صراع لإعادة صياغة مشروع وطني يوحد الشعب، فإذا نظرنا إلى جميع جولات المصالحة ودراماتيكية سيرورتها فإننا نجد أنفسنا في كل مرة قد وصلنا إلى نهاية الطريق المنشود؛ لكننا في كل مرة نصحو من نومنا فجأة ونعي أننا كنا نحلم لا أكثر.

   

لماذا إذن؟ وما تلك المصالح التي تجعل المصالحة خرافة؟

إذا نظرنا إلى الأمر نظرة واقعية نرى أن حركة حماس في غزة هي المسيطر الفعلي على معظم مقدرات القطاع سواء ما يتعلق منها بالحكم أو السلاح أو غيرها، فجميع أدوات القوة التي تمتلكها حماس في غزة، وفي نفس الوقت حماس متورطة بمسألة إدارة حياة 2مليون إنسان في غزة يعانون من حصار خانق أطرافه معروفة وواضحة، إذن ورقتا القوة لدى حماس هما السلاح والسيطرة على مفاصل الحياة في غزة، أما ورقة الضعف فهي القدرة على إدارة حياة سكان غزة في ظل هذه الظروف.

 

الأمر مختلف نوعاً ما في الضفة، هناك احتلال يسيطر على جميع مفاصل الحياة وتوجد سلطة لديها القوة والنفوذ والإمكانيات والشرعية الدولة طالما تحافظ على أمن الاحتلال فإن فشلت في هذا الأمر لن تستطيع تحدي الاحتلال والصمود أمامه لأنها ببساطة لا تمتلك أدوات القوة اللازمة للوقوف في وجه الاحتلال. إذن ورقة القوة والضعف في الضفة هي أمن الاحتلال، قد تستخدمه السلطة في تهديد الاحتلال إعلامياً لكن فعلياً زوال هذا الشرط يعني زوال أو ضعف السلطة.

 

ما الذي يسعى إليه الطرفان إذن؟

بعيداً عن الخزعبلات الإعلامية والتغني بالمسؤولية الوطنية والمصلحة العامة ووفقاً لمنطق المصلحة الواقعي فإن حركة حماس تريد أمران يحققان مصلحتها، الأول: التخلص من عبء إدارة حياة سكان غزة دون التخلي عن أدوات النفوذ والقوة فيها، والثاني الحصول على مساحة للعمل في الضفة لضرب منطق الأمن مقابل القوة والنفوذ والشرعية السائد في الضفة، أما السلطة في الضفة فتريد أمراً واحداً قطعياً هو التمكين الشامل لها في الضفة وغزة وفق منطق لا أحد يستطيع امتلاك شيء دون أن أسمح له.

 

بطبيعة الحال لا أحد من طرفي الانقسام يستطيع أن يمتلك الجرأة ليعلن عن أهدافه الحقيقية من وراء هذا الصراع، والكل يسعى لتجميل صورته أمام الشعب وتسويق روايته أملاً في وقوف الشعب إلى صفه لكسب هذه المعركة، وفي إطار هذه المساعي تأتي جولات المصالحة التي يعي الطرفان جيداً أنها لن تتكلل بالنجاح وأنها مجرد زوبعات في فنجان.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة