د. كمال المصري
د. كمال المصري
1.8 k

هل تدمر حماقة ترامب 74 عاما من سيطرة الدولار؟

22/8/2018

منذ أصبح دونالد ترامب الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة الأمريكية في 20 يناير/كانون الثاني 2017م وهو يتصرف وفق عقلية أبسط ما يمكن وصفها بأنها عقلية لم يعهدها النظام المؤسسي الأمريكي؛ الأمر الذي سبب أزمات عدة لـ"دولة" الولايات المتحدة الأمريكية، ففي سنة ونصف السنة من حكم ترامب شهدنا أمثلة كثيرة على ذلك؛ منها: انسحابه الاتفاق النووي مع إيران وفرض عقوبات عليها، انسحابه من اتفاقية المناخ، موقفه من أزمة قطر والدول الأربع (السعودية والإمارات والبحرين ومصر)، طريقة تعامله مع رفقائه في حلف شمال الأطلسي (ناتو) إضافة إلى تهديده بالانسحاب من الحلف، فرضه الضرائب على الصين، وفرضه عقوبات على روسيا، وأخيراً طريقة تعامله مع الأزمة مع تركيا، وغير ذلك، هذا عوضاً عن مواقفه الداخلية المثيرة للشعب الأمريكي؛ مثل موقفه من الإعلام، والأمريكيين المهاجرين، والرعاية الصحية، والمحقق الخاص روبرت مولر الذي يبحث في دور روسيا في التدخل في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، وخلاف ذلك.


والحقيقة أن ترامب إنما يحركه في كل تصرفاته أمران:
الأول: أنه ليس ابن المؤسسة الرئاسية الأمريكية والمتمثلة في الحزبين الرئيسيين الديمقراطي والجمهوري؛ فهو بالرغم من انتمائه للحزب الجمهوري، إلا أنه لا يُعتبر ممن ترعرع في مهد الحزب وتجرع قواعده وضوابطه، وبالتالي فإنه لا يتصرف وفق ضوابط حزبه التي تربى عليها غيره من قادة الحزب.


الثاني: ما تملكه شخصيته من اعتداد بالنفس يصل في معظم الأحيان إلى الصفاقة والعنجهية، وهذا ما يتبدى بوضوح في تصرفاته؛ فطريقة حديثه عن دول الخليج العربي، وكيفية تصرفه عند زيارة ولي عهد السعودية محمد بن سلمان له، وأسلوبه في الحديث مع رفقائه في الناتو، وكذلك طريقة تعامله مع كوريا الشمالية وإيران وتركيا، وبالطبع هناك الحديث داخليًّا الذي هو أكثر من أن يستوعبه مقال (الإعلام، المحقق مولر، مساعدته السابقة أوماروسا مانيغولت (التي وصفها بالكلبة)، مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي السابق جيمس كومي، محاميه السابق مايكل كوهين، الأمريكان من أصول أفريقية وأمريكية جنوبية... إلخ). 


هذه التركيبة الترامبية التي استطاعت في سنة ونصف السنة أن تحدث هذا الكم من الفوضى في العالم، تخوض هذه الأيام حرباً "حمقاء" جديدة على تركيا بحجة اعتقال تركيا للقس الأمريكي أندرو برونسون ورفضها طلب ترامب الإفراج عنه لأنه في الغالب متورط في محاولة الانقلاب على الشرعية والرئيس إردوغان التي وقعت في 15 يوليو/تموز 2016م. 

بدأت تركيا الحديث عن التوجه نحو البحث عن حليف آخر غير أمريكا، ورافق ذلك تحرك يحمل النغمة ذاتها بضرورة الاستغناء عن الدولار والاعتماد إما على عملة أخرى كاليورو أو عبر تبادل السلع بين الدول

وبصرف النظر عن مدى صحة الرواية التي روتها "واشنطن بوست" من أن ترامب فهم خطأ من إردوغان أنه سيفرج عن القس الأمريكي مقابل أن تفرج دولة الاحتلال الصهيوني عن المواطنة التركية إبرو أوزكان، وهو الأمر الذي لم يحدث حيث تم الإفراج عن أوزكان بينما لم يفرج إردوغان عن برونسون، بل أنكرت تركيا وجود مثل هذه الصفقة من الأساس؛ مما جعل ترامب يعتبر ذلك عملاً يهز من صورته، ويهزأ من اعتداده بنفسه، ويقلل من صورته "النرجسية" نحو ذاته، بصرف النظر عن صدق هذه الرواية من عدمها فإن ما يفعله ترامب اليوم مع تركيا له عدة أسباب ربما يكون موضوع القس آخرها؛ فهناك قضية شراء تركيا للصواريخ من روسيا، وهناك موضوع بنك خلق، وهناك الموقف التركي من العقوبات على إيران، وهذه كلها ملفات مفتوحة تخلق خلافاً متكرراً ومستمرًّا بين إردوغان وترامب.


بيد أن ما يحدث مع تركيا ومن قبلها روسيا والصين وإيران وأوروبا جعلنا نلحظ علو نبرة تحولات اقتصادية كبيرة ومهمة كياناً وممارسة، منها:
* اتفاقية بحر قزوين: حيث شهدت مدينة أكتاو الكازاخية، توقيع اتفاق تاريخي بين روسيا وقادة الدول الإسلامية الأربع التي تشاركها سواحل بحر قزوين؛ إيران وكازاخستان وأذربيجان وتركمانستان، وتعهدت الدول الخمسة بأن تنحصر بينها وحدها حقوق استغلال موارد البحر، وألا تسمح بأي وجود عسكري أجنبي تحت أي مبرر.

 

*قمة منظمة شنغهاي: حيث انعقدت في مدينة كينغداو الساحلية في شرق الصين القمة السنوية الثامنة عشرة للمنظمة التي تضم إضافة إلى الصين وروسيا وإيران عدداً من دول جنوب ووسط آسيا، وجاءت القمة في ظل ارتفاع حدة التوترات التجارية بين الصين والولايات المتحدة من جهة، وتوتر العلاقة بين روسيا والولايات المتحدة من جهة أخرى، ومع الخروج الأمريكي من الاتفاق النووي مع إيران من جهة ثالثة.

 

* الحديث الروسي الصيني الإيراني عن نظام جديد: في الفترة الأخيرة بدأت كل من روسيا والصين وإيران العمل على استحداث نظام جديد يعتمد على التعامل بالعملات المحلية والاستغناء عن الدولار بما يحفظ للدول ثرواتها وتسوية الفائض من العملات بمواد خام أو خدمات بين هذه الدول.


وفي ظل الأزمة الأخيرة مع الولايات المتحدة بدأت تركيا الحديث عن التوجه نحو البحث عن حليف آخر غير أمريكا، ورافق ذلك تحرك يحمل النغمة ذاتها بضرورة الاستغناء عن الدولار والاعتماد إما على عملة أخرى كاليورو أو عبر تبادل السلع بين الدول.

منذ عام 1944م غدا الدولار الأمريكي سيد الاقتصاد العالمي؛ غير أن الأحداث المتسارعة التي تقع حولنا تفتح مجالاً لسؤال كبير: هل تدمر صفاقة ترامب 74 عاماً من سيطرة الدولار على السوق العالمية؟

وكالة الأنباء الأوروبية
 

ولم تغب أوروبا، والاتحاد الأوروبي على وجه الخصوص، عن التواجد في الصورة بتأكيدها على أهمية استقرار الاقتصاد التركي بالنسبة لأوروبا، وأن تركيا ركن أصيل في اقتصاد أوروبا، وهو ما فتح الباب من جديد للحديث عن ضم تركيا للاتحاد الأوروبي، وبذلك ربما يكون ضرر العقوبات الأمريكية عاد بنفع على تركيا بانضمامها للاتحاد الأوروبي.


كل هذا الحراك وغيره أوجد من جهة توجهات عالمية بضرورة الاستغناء عن ربط عملات الدول بالدولار، وأوجد من جهة أخرى حالة من العداء العالمي ضد الولايات المتحدة، كما أنشأ تكتلات جديدة تلتقي على ضرورة الانتهاء من التبعية بالولايات المتحدة، وربما فك الارتباط بها تماما، وهذا كله أدى إلى ظهور موجة رفض من كثير من الجهات والأفراد من داخل الولايات المتحدة لتصرفات ترامب وقراراته لما يعود ذلك من ضرر على الاقتصاد الأمريكي والمستثمرين الأمريكان، والحديث في هذا يطول؛ يكفي فقط الاطلاع على الإعلام الأمريكي لنرى ذلك بوضوح.


يَذكر التاريخ أنه في أعقاب الحرب العالمية الثانية (1939-1945م) تضرر الاقتصاد الأوروبي والآسيوي، واستنفدت الحكومات الأوروبية احتياطات الذهب واستدانت لسداد قيمة العتاد الحربي من الولايات المتحدة الأمريكية مما منح الولايات المتحدة كميات كبيرة من احتياطيات الذهب؛ كما بقي الاقتصاد الأمريكي سالماً بنسبة كبيرة بسبب المشاركة المتأخرة للولايات المتحدة الأمريكية في الحرب وحسمها الحرب بالضربة النووية على اليابان.


ما سبق أعطى الولايات المتحدة سلطة سياسية واقتصادية نافذة، جعلها تنظم عام 1944م مؤتمراً لتأسيس نظام نقدي دولي لتنظيم الاقتصاد العالمي المتضرر ومواجهة الضائقة المالية التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، وقد تمخض عن هذا المؤتمر اتفاقية "بريتن وودز" التي اشترطت على الدول الموقعة أن تربط عملاتها إما بالذهب أو بالدولار، الأمر الذي جعل بعض الاقتصاديين يعتقدون أن الذهب أصبح أساساً للتبادل التجاري العالمي، غير أنه اتضح في ما بعد ومن خلال الواقع أن هذه الاتفاقية قد كرست فقط الهيمنة الاقتصادية للدولار على اقتصاديات العالم، وهو ما نشهده منذ ذلك الوقت حتى يومنا هذا. إذن، فمنذ عام 1944م غدا الدولار الأمريكي سيد الاقتصاد العالمي؛ غير أن الأحداث المتسارعة التي تقع حولنا تفتح مجالاً لسؤال كبير: هل تدمر صفاقة ترامب 74 عاماً من سيطرة الدولار على السوق العالمية؟

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة