هند مسعد
هند مسعد
1.7 k

الفن الإسلامي.. وجه حضاري يضيق به خصوم الإسلام

23/8/2018

"احترامًا لشعبي، ولمواطنين ست دول أُخر مُنعوا بطريقة غير محترمة وبموجب قانون غير إنساني من الهجرة للولايات المتحدة."[1]

– أصغر فرهادي


كانت تلك كلمات المُخرج الإيراني أصغر فرهادي الذي رفض حضور حفل الأوسكار بسبب قانون ترامب حول منع هجرة مواطنين ست دول للولايات المتحدة ومن ضمنهم إيران. ذلك فيما حملت رسالته في حفل توزيع الجوائز، والتي ألقاها مندوبًا عنه، ما مفاده: "يمكن لصانعي الأفلام تحويل كاميراتهم لالتقاط الصفات الإنسانية المشتركة وكسر القوالب النمطية حول مختلف الجنسيات والأديان. فالأفلام تخلق حالة من التعاطف بيننا وبين الآخر. التعاطف الذي نحتاج إليه اليوم أكثر من أي وقت مضى."[2]

المسلمون إرهابيّون. تلك العبارة صارت لصيقة بكل ما يتعلق بالإسلام والمسلمون. ومن نفس المنطلق، برر الرئيسي الأمريكي دونالد ترامب منع مواطنين سبع دول إسلامية من دخول الولايات المتحدة بحجة الخوف من تكرار هجمات الحادي عشر من سبتمبر والتي هي أبرز مخاوفه.[3] وما أثار الغرابة، ألا أحد من تلك الدول السبع، وفقا لدراسة أجراها معهد كاتو الأمريكي للحريات، كان سبب موت أمريكي واحد، منذ عام 1975 وحتى عام 2015، في أي هجمات إرهابية داخل الولايات المتحدة.[4] الأسوأ، أن مساواة المسلمين بالإرهابيين صار ذي عواقب وخيمة. فوفقا لتقرير لمكتب التحقيقات الفدرالي، فإن عدد الاعتداءات والهجمات، على المساجد وغيرها من المؤسسات الإسلامية داخل الولايات المتحدة، بسبب جرائم الكراهية، في عام 2015 كان أعلى مما كان عليه في أي وقت آخر إلا بعد 11 أيلول / سبتمبر مباشرة.[5]


وهذه ليست حوادث فردية، فوفقا لتقرير المكتب. هناك نمو مُخيف للجماعات المناهضة للمسلمين، حيث ارتفع عدد هذه الجماعات من 34 في عام 2015 إلى 101 في عام 2016، أي بزيادة قدرها 197 في المائة. وفي عام 2016، عادت نسبة الهجمات نفسها لترتفع من جديد حتى وصل عدد الجرائم 6100 جريمة.[6] ووفقا لدراسة أجرتها الجمعية الأمريكية لطب النفس، في أبريل 2017، يقول كيفن نادال، أستاذ علم النفس في كلية جون جاي للعدالة الجنائية في جامعة نيويورك، إن خطاب الكراهية ضد المسلمين يُرخّص للناس ارتكاب جرائم تمييز عنصري ضدهم.[7]


هل يكسر الفن حاجز الوصم؟

وترى الدراسة أن معالجة مشكلة الإسلاموفوبيا تحتاج لخطة منهجية طويلة الأمد لما وصفته "بالبلطجة / bullying" ضد المسلمين. كما ترى الدراسة أن تلك الخطة لا يجب أن تهمل وسائل التواصل الإعلامي خاصة الأخبار التي يصور فيها المسلمون على أنهم إرهابيون.[8] حيث ارتبطت تلك الأخبار بدعم التدخلات العسكرية في البلدان الإسلامية، فضلا عن دعم المقترحات السياسة الغير دستورية – مثل عدم السماح للأميركيين المسلمين بالتصويت أو امتلاك السلاح. فيما وجدت الدراسة أن التركيز على التصوير الإيجابي للمسلمين، مثل مقطع إخباري عن الأميركيين المسلمين المتطوعين في العمل العام خلال موسم العطلات، حسّن بنسبة كبيرة من نظرة الأمريكيين غير المسلمين للأمريكيين المسلمين.[9]

وحسب الجمعية الأمريكية لطب النفس أيضًا، في الدراسة التي أجرتها بعنوان "الفن يلعب دورًا / Art Plays a Part"، صفحة رقم 42، يأتي الفن كأحد أبرز الأدوات التي تساعد الناس على الصمود في مواجهة تقلبات الحياة. وقد وصفت الدراسة الفن بأنه أحد أيسر وأسهل أدوات التحفيز الوجداني، قائلة ما معناه: "إن استخدام الفن كوسيلة لمساعدة الناس على التعبير عن أنفسهم يُشبه اصطياد عدد قليل من الفراشات بشبكة واحدة."[10]



وترى الباحثة التونسية المتخصصة في فلسفة الجمال، أم الزين بنشيخة المسكيني، في أطروحتها الفلسفية " الفن والدين من خلال كتابات جادامار أو في معاني الألفة مع العالم"، أن أوجه اللقاء بين التجربة الدينية والتجربة الجمالية ممكنة بسبب اشتراكهما في نسج خيوط الحياة المشتركة ضمن أفق الألفة مع العالم.[11 وحسب الأطروحة لا نزال، فإن الفن يتمتع بالقدرة على فهم التجربة البشرية في أبعادها التاريخية المختلفة. فنحن نتعرف على أنفسنا داخل الآثار الفنية. وذلك يعني أن في الفن معرفة تفوق المعرفة العلمية نفسها. 


وحسب المسكيني أيضًا، الفنّ صار جسرا في عصر عسُر فيه التفاهم بين أبناء العالم الواحد حول شكل الحياة الممكنة وشكل التعايش في ظلّ صدام الهويات وصدام الأجندات وغموض الخرائط. فالفن ينزع النقاب عن الحقيقة المحجوبة وراء أحكامنا المسبقة وأسئلتنا السيئة وفهمنا المتحجر. "الفن يكشف عن مساحة المقدس لشعب ما، فيقول لنا حقيقة ذاك العالم ويجلب لنا معه عالمه."[12] – أم الزين بنشيخة المسكيني. بعض الأمل، هذا ما يقدمه الفن ضد العدوانية والتحيّز الذي يصل لحد البلطجة كما ذكرنا سالفا. فهل تستطيع الفنون العربية والإسلامية فتح القلوب والعقول المناهضة لها وأن تمسح على جُرح الإسلاموفوبيا البغيض فيلتئم!

يتم الآن التعويل على الفنون الإسلامية في تحدي القوالب النمطية والمفاهيم الخاطئة التي تغذي الإسلاموفوبيا. ومؤخرًا سلطت عدّة صحف فنيّة الضوء على مشروع رائد من شأنه مدّ جسور التواصل بين العالمين الشرقي والغربي. فقد احتفت جريدة "الجارديان" بمتحف الفن الإسلامي والعربي الجديد في مانهاتن، بمقال للناقد الفني البريطاني، جوناثان جونس، عنوانه "جمال الفن يستطيع أن يواجه الإسلاموفوبيا، لكن الأمر لن يكون سهلاً".[13]

وحسب جونس، قد يستطيع الفن سد الفجوة الثقافية بين الشعوب. فالفن يفرد مساحة للخيال وتجاوز الزمان والمكان. وبالنظر للفن الإسلامي، سيسمح ذلك لغير المسلمين باستشعار جمال المعتقدات الدينية والثقافات العربية والشرقية.[14] ويقترح جونس، أن سد تلك الفجوة لا يكون ببناء متحف للفن الإسلامي فقط، بل بزيارة المعالم الإسلامية الأكثر شهرة في التاريخ، مثل قصر الحمراء في غرناطة أو قضاء أسبوع واحد في مراكش، الأمر الذي من شأنه محو أي إسلاموفوبيا.[15]



قصر الحمراء في غرناطة


"كان من المنطقي تماما بناء معهد لا يسلط الضوء على اتساع رقعة الفن والثقافة إلى خارج العالمين العربي والإسلامي فحسب، بل يتحدى أيضا القوالب النمطية والمفاهيم الخاطئة التي تعرقل التفاهم بين الثقافات".[16]

– محمد بن راشد آل ثاني


ويشرح القائمون على المتحف في الصفحة التعريفية به أن الهدف منه هو درأ المفاهيم الخاطئة حول العالمين العربي والإسلامي. وأن المتحف سيكون بمثابة منصة للخلق جسور تواصل ومنارة تجذب إليها كل الفنانين والمبدعين.[17]

  
متحف الفن العربي والإسلامي القطري في منهاتن ليس الوحيد الذي سلط الضوء على فكرة الفن بوصفه سلاحًا في مواجهة الإسلاموفوبيا. ففي الخطاب الذي ألقته في الدورة الخامسة والعشرين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، في 17 مارس 2014، تقول مندوبة الأمم المتحدة للشئون الإنسانية، الفنانة والناشطة في مجال حقوق الإنسان ليديا كنعان، ما معناه: "الإسلاموفوبيا هي في واقعها رهاب ديني. يتغذى ويكتسب فعاليته من الجهل والعزلة. والفن هو الأداة التي تستطيع محاربته على نحو ثابت."[18] وفي نفس الخطاب، تُشير كنعان إلى أن الإسلام تعرض لوابل من المفاهيم الخاطئة وسوء الفهم وصار مثقلا بالعديد من الوصوم الكاذبة. ووحده الفن الذي يعد لغة عالمية تحتضن كل المعتقدات والثقافات هو القادر على خلق أرضية مشتركة للحوار والتفاهم.[19]



وحسبما ترى الصحفية أنيسة مهدي، الحاصلة على جائزة إيمي في الصحافة، في دورية "إسلامك مانثلي"، أن الفنون تتسلل في اللاشعور عند جميع الناس. والفنانون هم أداة لا تقدر بثمن في معركة الإسلام ضد التعصب.[20 ويمكن التعويل على الفنون في دفع القوالب النمطية والتهديدات والهجمات التي تقع لمسلمين لتتحول لنظرة عقلانية ترنو للتعايش السلمي. فمعارض الفنون والعروض المسرحية والغنائية تدفع الناس لفحص أفكارهم حول رهاب المسلمين. وبالنسبة لمهدي، فإن الفن يُضفي الطابع الإنساني على الفنان والعملية الفنية عبر الزمن والجغرافيا. 


وتشير مهدي لمعرض، "سلسلة من اللؤلؤ: فنانون وعرابون وشعراء من البلاط الإسلامي"، الذي أقامه متحف "ذي والترز" في ميرلاند في الولايات المتحدة، في الفترة من 8 نوفمبر 2015 وحتى 31 يناير 2016، بوصفه نموذجًا لقدرة الفن على محاربة الإسلاموفوبيا.[21] وقد ركز المعرض على ثلاثة أشخاص، هم: أبو الفضل بن مبارك، وهو كاتب في الهند المغولية في القرن السادس عشر، ومحمد زمان بن حاج يوسف، رسام في إيران الصفوية في القرن السابع عشر، والسلطان العثماني محمود الأول، راعي الفنون في القرن الثامن عشر.[22]



فعندما يرى الجمهور أحد المسلمين المغول، أبو الفضل، مجتمعًا مع رجال الدين والعلماء المسلمين وغير المسلمين فإن ذلك يُعزز من فهم سليم للتاريخ الإسلامي. والدليل على ذلك، أن عدد زوار متحف والترز قد تضاعف حين تم عرض "سلسلة من اللؤلؤ"، مصحوبا ببرامج ومحاضرات عائلية.[23] سلسلة من اللؤلؤ ليس الوحيد، فقد توافدت الجماهير إلى متحف المتروبوليتان للفنون في نيويورك بعد أن أعاد افتتاح معارضه الإسلامية في عام 2011 تحت عنوان "فن الأراضي العربية وتركيا وإيران وآسيا الوسطى وفي وقت لاحق جنوب آسيا".[24] وبدلا من تقديم الفن الإسلامي منعزلا ، استغرق المتحف ما يناهز الثماني سنوات لإعادة تنظيم ما يقرب من 12،000 قطعة فنية تنتمي لمناطق جغرافية عدة وهو ما يعكس تنوع الثقافات التي ينتمي لها المسلمون.[25]

ويقول زيبا رحمان، مدير البرامج في مؤسسة دوريس ديوك للفنون الإسلامية: "إن الطريق إلى الأمام بالنسبة لنا كمجتمع هو إيجاد مسارات مبتكرة للاتصال ببعضنا البعض. هذا الارتباط هو ما يعطينا حيوية ومرونة ويجعلنا من نحن عليه هنا في الولايات المتحدة."[26] وبالنسبة لرحمان: "فإن التجارب الفنية الإيجابية تبني الإحساس بالأخوة، وتلهم الناس للتفكير، وأيضا لإعادة التفكير في المواقف التي يحملها كل واحد منا. فالفنون تساعد الناس على التحول الداخلي. ويكتسي هذا الأمر أهمية خاصة الآن، حيث يتزايد قلق الناس بشأن التهديدات المحتملة من المسلمين."[27] الشاهد، يعوّل كثيرون على الفن بوصفه أداة لكسر الوصم مُسلطين الضوء على المواهب الفنية والإبداعية الموجودة في العالم العربي. فإذا احتدم الصراع بين العالمين الشرقي والغربي على المستوى السياسي، يستطيع الفن أنسنة الأفكار التي ننظر بموجبها للآخر.

"اليوم يفوز الفن. يفوز لأنه يرسل رسالة أكبر من أي بيان أو قانون يُمكن لشخص مثل ترامب التوقيع عليه."[28]

– الطبيب النفسي الإيراني، عفسانة جيتيفوروز، عن فيلم فرهادي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

[2] نفس المصدر في الهامش الأول.

[5] FBI. 2016 Hate Crime Statistics Released. November 2017.

https://www.fbi.gov/news/stories/2016-hate-crime-statistics

[6] نفس المصدر في الهامش رقم 5.

[7] Clay, Rebecca. APA. Islamophobia. Print version: page 34

http://www.apa.org/monitor/2017/04/islamophobia.aspx

[8] نفس المصدر في الهامش رقم 7.

[9] نفس المصدر في الهامش رقم 7.

[10]  American Psychological Association, Art plays a part.

http://www.apa.org/gradpsych/2014/11/art.aspx

[11] المسكيني، أم الزين بنشيخة. الفن والدين.http://www.mominoun.com/pdf1/2015-11/5652f7cb73330401852851.pdf

[12] نفس المصدر في الهامش 11، صفحة رقم 11.

[14] نفس المصدر في الهامش رقم 11.

[15] نفس المصدر في الهامش رقم 11.

[16] نفس المصدر في الهامش رقم 13.

[19] نفس المصدر في الهامش رقم 16.

[20] Mehdi, Anisa. Art Can Combat Islamophobia. Islamic Monthly.

https://www.theislamicmonthly.com/art-can-combat-islamophobia/

[21] Pearls on a String, The Walters Art Museum.

https://thewalters.org/exhibitions/pearls-on-a-string/

[22] نفس المصدر في الهامش رقم 21.

[23] نفس المصدر في الهامش رقم 21.

[25] نفس المصدر في الهامش رقم 24.

[26] نفس المصدر في الهامش رقم 20.

[27] نفس المصدر في الهامش رقم 20.

[28] نفس المصدر في الهامش رقم 1.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة