الغولي رشيد
الغولي رشيد
198

الإِحْبَاط مَقْصُود.. والفَشَل مَوْجُود!

26/8/2018

قَدْ تَدْعُوكَ الحَيَاة لِلتَّعَرُّف عَلَى تَجَارِبِهَا، والخَوْضِ فِي دُرُوبِهَا، مِنْ أجْلِ عَيْشِ كُلٍّ أَوْ بَعْضٍ مِنْ حَيَوَاتِهَا، فإِما أَنْ تَكُون مِنَ النَّاجِحِينَ، النَّاجِينَ، السَّالِكِينَ لِدِرَابِهَا، أَوْ الفَاشِلِينَ، الخَاسِرِينَ، التُّعَسَاء، المَهْمُومِين المَدْحُورِين، العَاجِزِين عَلى مُقَارَعَتِهَا. فَمَا حَاءُ الحَيَاةِ إِلاَّ حَرَكَةٌ مُسْتَدَامَةٌ، مُنْتَظِمَةٌ، مُتَطَوِّرَةٌ، وَأَمَّا اليَاءُ، فَهُوَّ اليَقِينٌ، القَوِيٌ، الثَابِتٌ، المُتَجَدِّدٌّ بِالله سُبْحَانَهُ وَتَعاَلَى رَافِعُ السَّمَاءِ بِلاَ عَمَدْ.

 

والأَلِفُ إِيمَانٌ يَجْرِي مَجْرَى الدَّم فِي جِسْمِ المُؤْمِن، وَإِدْرَاكٌ وَإِصْرَارٌ، أَمَّا التَّاء فَهُوَّ التَّوْحِيد بِكُلِّ أَصْنَافِهِ وَفُرُوعِه وَتَفَرعاتِه، كَتَوْحِيد الأُلُوهِيَّة وَتَوْحِيد الرُّبُوبِيَّة وَتَوحِيد الأَسْمَاء وَالصِّفَات، زِدْ عَلَى ذَلِك التَّوَكُّل وَالتَّوَسُّل وَالتَّذَلُّل، لِأَنَّهُ أَحْيَانًا يَعِزُّ المَطْلُوبْ، فَيَقِلُّ وَيَنْقَطِعُ المُسْلِمْ عَنِ الدُّعَاء، ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ هَذَا الدُّعَاء لَنْ يَتَحَقَّقْ، أَوْ يَتَسَلَّطُ عَلَى قَلْبِهِ وَرُوحِهِ وَعَقْلِهِ المَرْغُوبْ، فَيَتَكَاسَل وَيَشْرُدُ عَنِ الوُقُوفْ بِبَابِ الحَنَّان المَنَّان، ظَنَّا مِنْهُ بِأَنَّ هَذاَ الدُّعَاء لَنْ يُرْفَع. هُنَا تظهر جَلِيًّا حَقِيقَةُ التَّعَلُّق بِالوَاحِدِ الأَحَد، مَعَ اليَقِينْ الرَّاسِخْ بِكَرَمِه. إِذَنْ حُسْن الظَّنِّ بِالله، لاَ يقْتَصِر عَلَى العِلْمِ بِكَرَمِه فَحَسْب، بَلْ يَسْتَلْزِم عِلْماً وإِدْرَاكًا وَمَعْرِفَتًا وَيَقِيناً رَاسِخاً أَوَّلاً وَقَبْلَ كُلِّ شيء بِقُدْرَتِهِ، قُدْرَةٌ تَلِيقُ بِمَقَامِهِ وَجَلاَلِهِ سُبْحَانَه.

هَكَذا كُنَّا نتخَيَّل الحياة، وهكذا كان حديثنا مع الحياة، حديث داخلي بِلاَ جُمَل وَبِدُون مُفْردات، حديث صامت لاَ تَقْوَى عَلَى المُوَاجَهَة، لِأنَّها تَخْشَى الانهزام، فَعَلَى هذه المفاهيم تأسَّسَت لَدَيْنَا قنَوات مِنَ الحِوار الدَّخِليَّة، فكانت تَطُولُ ساعات التأمل والنِّقاش، دُونَ كَلَل أو مَلَل، لَكِنَّ المُمْتِع حَقٍّا هُوَّ أَنْ تَتَعود على مُحاوَرَة هذا الصَّوْت الداخِلِي الذِي يَنْتَقِدك، ويَضَعُك وَجْهًا لِوَجْه أمام أخطائك وعُيُوبِك رَغْمًا عَنْك، هُنا تَجِد نفسك مُضْطَرًّا لِسَمَاعِ هذا النَّقْد اللاَّدِع، الذي يُشَخِّص لَكَ واقعك. فَلاَ مَفَر لَك مِنْه إِلاَّ بِتصحيح مَسارِه، عَبْر تصحيح مَسَار حياتك بِرُمَّتِه، بِحُلْوِهِ وَمُرِّه. فَكان الصَيْف السَّابِع عَشَر مِن مَخْزُون هذا العُمْر القصير، صَيْف الحَسْم والحَزْم والتَّحَوُّل الجَدْرِي فِي الرُّؤَى والتَّحْليل والتَّعْلِيلْ والتفكير والاستنباط.

اتخاذ القرارات، قرار جوهري في منظومة التَّغْيِير، واليوم الذي نتخذ فيه هذا القرار وغيره من القرارات الحاسمة، هو بالضرورة يوم جميل، ممتاز، متميز، ورائع بكل المقاييس

أَمَّا الأن فاسمحوا لي أن أقدم لكم، أو إِنْ صَحَّ التعبير، أَنْ أُحَاوِرَ رُوحِي وَعَقْلِي وَقَلْبِي بِحُضُرِكُم، فَأُشَارِكَكُم بِطَرِيقة أَوْ بِأُخْرَى، عُصَارَة هذه التجارب وَلُبّهَا، حتى نستطيع بواسطة الحوار والمشاركة والنَّقْد البناء، أن نجعل منها قِيمَة مضافة مضاعفة، لكم عزيزي القارئ حتى وإن كنتم على دراية تامة بكل هذا، إِلاَّ أَنَّنا نعتقد جازمين بأن كل واحد منا سوف يَعْرِضها ويُقدمها بطريقة جديدة، مع مفهوم جديد، مما يجعلها ترقى إلى فكر فلسفي واقعي مبسط جدا ملخص بعناية وأمانة بَالِغَتَيْنِ فتحصل المعرفة ويحصل العلم الذي يسهل وييسر الحصول والوصول إلى هذا المفهوم المرن المركب المنسجم مع الواقع القابل للانصهار داخل شخصية الإنسان المَرِن المُحِب للحياة، الواثِق في نفسه، المتصِل بِرَبِّه على الدَّوام في السَّرَّاء والضَرَّاء، فَيُحَوِّله أو يَقُوده إلى الإنسان المفكر القابل للتوسع والانتشار إلى ما نهاية طبقا لمبدأ التأقلم والانضباط.

اتخاذ القرارات، قرار جوهري في منظومة التَّغْيِير، واليوم الذي نتخذ فيه هذا القرار وغيره من القرارات الحاسمة، هو بالضرورة يوم جميل، ممتاز، متميز، ورائع بكل المقاييس، بِغَضِّ النظر عن النتائج المُحَصَّلَّة، نعم عندما قَرَّرْنا عدم القيام بنفس الأخطاء التي قُمْنا بها في الماضي، نعم يوم قررنا أن نَتْرُك عَالَم الظلام ونَدْخُل تحت بقعة الضوء، رغم صغر حجمها وضعف نورها، نعم يوم قررنا الانتقال من عدم النشاط إلى النشاط، عِنْدَه قررنا أن نُحَوِّل اهتماماتنا ونُغَيَّر إدراكنا ونُطَوِّر تفكيرنا ونُضاعِف طموحنا، عندها فقط صممنا والتزمنا وناضلنا وقاومنا وقدمنا وأَخَّرْنا حتى استطعنا الصمود على قشة الأمل، إذن بعد كل هذا الجند يمكننا أن نَقول أننا فعلا قررنا أن نعيش حياة جديدة. يَوْمَها لا يمكنكم أن تصدقوا أو أن تتخيلوا عدد الأشياء الجميلة التي سوف تفتح لكم أبوابها، لتحتضنكم وتحتويكم.

بعدها يصل قِطَار الحياة هذا، المُحَمَّل بِحُمُولَة غَيْر عادية، مِنْ تَجَارِبْ المَاضِي، وَتَحَدِّيَّات الحَاضِر، المُشْبَعْ بالتَّنَاقُضَاتْ، ورهانات المُسْتَقْبَل، الذي يَشُوبُهُ الغُمُوض والحَذَر، إلى محطة أخرى لاَ تَقِلُّ أهمية، وهي الرَّغْبَة. من يدري حَقًّا الغموض الذي يأتي منه كل هذا؟ لأن هناك أُنَاسًا يعرفون المعنى الدقيق للرَّغْبَة أكثر مِنْ أُنَاس آخَرِين، فَيَستغرق الأمر بعض الوقت لزراعة الأمَل. إمكانية وجود رغبة عالية، يمكننا مِنْ خلق حياة غير عادية للغاية، تتواجد في كل واحد مِنَّا، أحيانا تم قمعها بوحشية، وأحيانا تمت التضحية بِها، وأحيانا تبقى بداخلنا على شكل بُذُور مُحَنَّطَة، في غَيْبُوبَة دَائِمَة، عَلى قَيْدِ المَمَاتْ، رَهِينَة الخَوْف المرضي المُزْمِنْ. لِأَنَّ فَاقِد الرَّغْبَة في التَّغْيِير إنسان مَيِّت على قَيْدِ الحياة، هؤلاء الناس لم يسبق لهم أن أَحَسُّوا أَوْ استشعروا الطاقة العظيمة الكامنة بداخلهم! أو أي شيء آخر لإثارة بعضِ مِنْ هذا الأَمَلْ المَفْقُود فِي مَكَان مَا.

تخبرنا الاختصاصات أن التأثير ليس له مفهوم مع الانضباط، ولكنه يعني أيضًا أن الانضباط هو الباب المفتوح دائما لعملية الإبداع التي تُحَوِّلْ أَيّ شَيء إِلى كُلِّ شَيء

مواقع التواصل
 

هنا سأقِف قليلاً لِتَسْجِيل مُلاحظة غاية في الأهمية، تَخُص قطاع التعليم بجميع مراحله، فَلَوْلاَ التَّفريط الحاصل في الاستراتيجيات وَالمَناهج لِسَلَفِنَا الصَّالِح، الذين تعلموا وتربوا في مدرسة رسول الله صلى الله عليه وسلم، التي اهتمت وَرَكَّزَت بشكل كبير على بِنَاءِ القُلُوب وَالعُقُول قَبْلَ بِنَاءِ الجُدْران، لَكَانَ هناك على الأقل بصيص أَمَلْ، وبقليل من الجدارة سيكون لدينا الباب أو النافدة لإصلاح مَا يُمْكِن إصلاحه، وإن تعذر كل هذا تكون الاستشارات والتوجيهات المباشرة وغير المباشرة، طريق ثاني لاختراق الخمول والسُّبَات، مِنْ طَرَف أصحاب الاختصاص للنفوذ والتغلغل في أعماق التلاميذ والطلبة والشروع الفوري في محاكمة كل التجارب المتهمة بتخدير القيم المسؤولة عن تعطيل الطموح، وعَدَمْ إثارة الرغبة في التغيير إلى الأفضل، حتى لا يَضِيع مستقبل هؤلاء الأطفال والشباب ومعه مستقبل الأمة جمعاء إلى الأبد.

أما الأن وقد وصلنا إلى منتصف الطريق، وأصبحنا قاب قوسين أو أدنى مِن محطة الانضباط، التي معها يصبح كل شيء مُمْكِنًا، معها يتحول الاغتراب الداخلي إلى واقع، إلاَّ أَنَّ هناك بعض الناس يعتبرون الانضباط كلمة سَيِّئَة، ونحن هنا لا نتحدث عن الانضباط بالمعنى التقليدي للكلمة! ولكن عن المعنى الشمولي الفلسفي، ولهذا علينا جميعا معرفة أن الانضباط قوة خَلاَّقَة خفِيَّة كبيرة جدا، لا يمكن تصديقها أو الإحساس بِفَعَّاليتها بمعزل عن التكوين في علوم التنمية الذاتية أو النفسية أو السلوكية، أو علوم الطاقة أو البرمجة اللغوية العصبية وديناميكية التكيف العصبي، إذن الانضباطي يَبْني المِهَنِيَّة، الانضباطي يُعطِي الرعاية الاجتماعية، الانضباط يشكل الزواج الأكثر نجاح على الإطلاق، الانضباط سلاح فتاك يحمي ويطيل عمر الصداقات داخل المجتمع المتعدد الأَعْرَاق والثقافات، إلى ما لا نهاية، الانضباط منبع تطوير المهارات بأشكالها وألوانها، الانضباط مفتاح النجاح والتألق في كل التخصصات.

وَعَلَيْه تخبرنا الاختصاصات أن التأثير ليس له مفهوم مع الانضباط، ولكنه يعني أيضًا أن الانضباط هو الباب المفتوح دائما لعملية الإبداع التي تُحَوِّلْ أَيّ شَيء إِلى كُلِّ شَيء، وَتُحَوِّل كذلك الخيال إلى حقيقة، ولهذا علينا أن نتعلم القيام بذلك، ونقدر الاختصاصات و مع هذا، فإن السؤال الجيد الذي يجب طرحه، هو هل هناك انضباطا آخر يمكن أن يشرع في فتح مجال جديد في حياة كل إنسان؟ إذن الجواب بديهي يَحُثُّنا على السَّيْرِ قُدُمًا بتأني وثبات نَحْوَ تعلم الانضباط في أبها حُلَّتِه لاستخدامه في ضبط النفس وإنهاء صلاحية الفوضى الهدامة المنطلقة من الداخل. حتى تتمكن ذواتنا وأفكارنا العمل سَوِيًا في سلام، من أجل تعلم هذا الانضباط، وتعلم قياس مردودية النتائج الجيدة، لتنظيم الأولويات قصد تحقيق الذات، وترك بصمة طيبة مباركة في هذه الحياة.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة