مصطفى أبو السعود
مصطفى أبو السعود
104

كيف تودع غزة شهداءها؟

26/8/2018

في كل جمعةٍ يرسمُ أهلَ غزة لوحةً جديدةً مشرفةً تعبرُ عن عمقِ ومدى تغلغلِ حب الوطن في قلوبهم ورغبتهم في الانعتاق من قيد الاحتلال والحصار الجاثم فوق صدر أحلامهم وطموحاتهم، لوحةٌ فنيةٌ رائعةٌ قوامها شبابٌ في عمر الزهور، وكهولٌ من يوم النكبة، ونساء يحملن علم البلاد ويتوشحن بكوفية فلسطين ويتقدمن الصفوف إلى حيث ميدان المواجهة، وأطفال يتشوقون لرؤية بلادٍ سمعوا عنها وعلموا من أجدادهم أنها تستحق التضحية من أجلها، لذا نراهم لا يهابون الغاز الصهيوني النازل من الطائرات القاتلة، ولا يخشون رصاص الدبابات الغادرة.


في كل جمعةِ يذهب الكثيرون إلى مسيرة العودة، ويمارس كل واحد منهم دوره، فيعودوا كلهم إلى بيوتهم، إلا قليل منهم، أما الجريح فيذهب الى المستشفى لتلقي العلاج، ومنهم يذهب إلى العلياء ولسان حالهم يقول (سأرقب نصركم بجوار ربي فقد أكملت مهمتي) هذا المشهد يحدث يوم الجمعة ، وما أن تشرق شمس يوم السبت حتى تبدأ الاستعدادات لإقامة جنازات وأعراس الشهداء الذين ارتقوا يوم الجمعة، فتبدأ الجماهير بالتهافت على بيت الشهيد ،حيث يتم احضار الشهيد في موكب مهيب إلى بيت أهله كي يتسنى لأهله وجيرانه وأقاربه ورفاقه إلقاء نظرة الوداع ، ثم يُذهبُ به إلى المسجد لأداء صلاة الجنازة ثم تخرج الجماهير من المسجد حيث المقبرة الذي سيرقد فيها جثمانه الطاهر، وما بين المسجد وما بين المقبرة توجد مفاخر، يجب الحديث عنها:

غزة التي تزغرد وهي تودع الشهداء لهي جديرة بالحرية والحياة، وإن غزة التي يودع فيها الرفيق رفيقه في النهار ليقوم مقامه في الليل من رباط وحفر للأنفاق والإعداد، لهو جدير بأن نرفع له قبعة الاحترام


ما أن تخرج الجماهير من المسجد حتى تعلو صيحات التكبير مطالبة المقاومة بالثأر لدماء الشهداء، والتأكيد على أن المقاومة هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، حيث يسير المشيعون مسافة لا تقل عن كيلو متر لا يبالون بحرارة الصيف ولا ببرودة الشتاء وأمطاره، ويرفع الجماهير اصبع السبابة إلى عنان السماء ليؤكدوا أن الله هو الغاية، وأن القدوة هو رسول الله، وأن الدستور هو القرآن، وأن السبيل الذي لا سبيل عنه هو الجهاد، وأن الامنية السامية هي الموت في سبيل الله. في جنازات الشهداء ترى التصميم واضحٌ وجليٌ في عيونِ الجماهير على المضي قدماً في مسيرة التضحيات، لا يضرهم من خاذلهم، ولا من عاداهم ،لأنهم يدركون أن ما أصابهم لم يكن ليخطئهم، وأن ما أخطأهم لم يكن ليصيبهم، وأن النصر صبر ساعة، وأنه لا نصر بلا ثمنٍ.
  

حينما يضع المشيعون الشهيد في باطن الأرض يهنئونها، بأن جاءك رجل المفاخر، فلا تكوني قاسية عليه، وضميه بكل حب وحنان، فهو أولى منا بحبك وحنانك، فقد جاهد من أجل لله ثم من أجلك، حين تودع غزة شهداؤها تعاهدهم على أن تظل السيف الذي يقصم ظهر العدو، والكابوس الذي يقض مضجعه، والبندقية التي تقف له بالمرصاد. وما أن ننتهي من التشييع حتى نذهب إلى بيوت عزاء الشهداء وفوداً وجماعات نتهافت لنقدم واجب العزاء لأهله ونقوي من عزيمتهم، فإذا بنا نستمد القوة من أهل الشهيد، فنراهم (فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِه).


إن ارتقاء الشهداء لهو ثمرة طبيعة لأي معركة بين الحق والباطل، فدماء الشهداء هي الوقود الذي ينير لنا الطريق في دهاليز الظلام، ويصرخ فينا كما صرخ الشاعر العربي المصري أمل دنقل (لا تصالح على الدم ...حتى بدم، لا تصالح، ولو قيل رأس برأس، أكل الرؤوس سواء؟) أقول مجيباً: حاشا وكلا أن يتساوى رأس شهيد فلسطيني شريف، برأس صهيوني حقير، واذكركم بما أجاب به عمر بن الخطاب على أبي سفيان بعد انتهاء معركة أحد (لا سواء، قتلانا في الجنة، وقتلاهم في النار).


أختمُ: إن غزة التي تزغرد وهي تودع الشهداء لهي جديرة بالحرية والحياة، وإن غزة التي يودع الرفيق رفيقه في النهار ليقوم مقامه في الليل من رباط وحفر للأنفاق والإعداد، لهو جدير بأن نرفع له قبعة الاحترام، وننحني له حباً واحتراماً، وأن الأم التي تودع ابنها بقلبٍ صابرٍ محتسبٍ لهي جديرة بأن نُقبل يديها كل يوم، وإن الأب الذي يتباهى بابنه الشهيد، لهو رجل من زمن الصحابة. هكذا تودع غزة شهداؤها، من أجل الحرية والكرامة، إنه أسلوب غزة في إعلان جدارتها بالحياة.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة