معاذ محمد الحاج أحمد
معاذ محمد الحاج أحمد
810

"مرشح الفوضى الإلهية".. الإنجيليين والدعم السخي لترمب

27/8/2018

في كتابه "مرشح الفوضى الإلهية"، الصادر عام 2016، يتساءل المفكر والمبشر الأمريكي "لانس والناو": هل من الممكن أن يكون "ترامب" الملك "قورش" الذي أخرج اليهود من حياة السبي والاسترقاق، وسمح لهم بالعودة إلى فلسطين، وبناء الهيكل الذي حطمه الملك البابلي "نبوخذ نصر" 2500 سنة ق م؟ دون الغوص في تفاصيل الكتاب المثير للجدل، يرى الكاتب أن أمريكا تمر بحالة من الفوضى والتخبط وعدم وضوح الرؤيا؛ الأمر الذي يستدعي وصول رئيسٍ رساليّ منكشفٍ على إرادة الله ومشيئته وقادرٍ على التنبؤ بالمستقبل والمخاطر المحدقة بالبلاد. ويتوقع "والناو" أن إعادة تعريف المفاهيم الحقيقية للأعمدة السبعة المكونة للثقافة والمتمثلة في: (الدين - والأسرة - والتعليم - والقانون - والاعلام - والاقتصاد - والفن)، سيقود لامحالة الحوار المسيحي نحو المزيد من التأثير المتبادل بين الكنيسة والثقافة ، وبزخم يمكن الأجيال القادمة في الولايات المتحدة من اقتحام جميع البوابات الثقافية والسقوف التي حجبت عنهم رؤية العديد من الحقائق.

يورد "والناو" عشرات الاقتباسات والمقارنات بين "ترامب" والملك "قورش"، والمستوحى من "العهد القديم" الذي هو محور الاعتقاد البروتستانتي اللوثري المسيحي؛ لتبرير حتمية الانعطاف التاريخي بقدوم "ترامب" إلى البيت الأبيض، والاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل. فأمريكا حسب زعمه تعيش حالة من التحدي من أجل الخلاص؛ لإعادة تشكيل هويتها وثقافتها التي سترسم مصيرها لعقود مقبلة. حسب زعم "والناو"، فإن الولايات المتحدة قد مرت بثلاثة مفترقات حرجة أوجبت عليها إعادة تعريف معتقداتها وهويتها وأهدافها؛ لمواجهة هذه التحديات الخطيرة.

 

أما الأولى فكانت حرب الاستقلال، وثانيها الحرب الأهلية الأمريكية، في حين كان التحدي الثالث يتمثل في الكساد العظيم عام 1929 والحرب العالمية الثانية؛ وما نجم عنهما من تداعيات كارثية على العالم بأسره. من وجهة نظر "والناو" فإن "ترامب" الذي وصفه ب "مرشح الفوضى الإلهية" يقود للانعطافة الرابعة في التاريخ الأمريكي لتصويب الكثير من المسارات السياسية والاقتصادية، وإعادة السياقات الصحيحة للكثير من المعتقدات والقيم وعلى رأسها دعم شعب الله المختار، ومنح دولة قومية خالصة للعرق اليهودي في أرض الميعاد، والتحضير لعودة المسيح إلى الأرض المقدسة. 

ما يعرف عن شخصية "ترامب" أنه سيء الخلق، يمارس الرذيلة، ويفتخر بظهوره أمام الكاميرات بصحبة الفتيات والعشيقات، في مخالفة واضحة للحكمة الدبلوماسية المأثورة لرئيس أكبر دولة في العالم

ومنذ الإعلان الشهير الذي أطلقه الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب"، بالاعتراف بالقدس عاصمة للعدو الصهيوني، ما انفك الإنجيليون البروتوستانت في الولايات المتحدة واليمين المتطرف في الكيان الصهيوني يكيلون المدائح للرئيس الأمريكي، ويعقدون المقارنات التاريخية بينه وبين الملك "قورش العظيم" – ملك فارس – الذي أعادهم للاستيطان في فلسطين؛ ليكون "قورش" الصهيوني الأول قبل أن يعرف العالم الصهيونية بآلاف السنين.


لم يخفِ رئيس وزراء الكيان الصهيوني "بنيامين نتنياهو"، سعادته الغامرة بالقرار الأمريكي بنقل السفارة إلى مدينة القدس المحتلة معتبراً أن الخطوة تعيد إلى الذهنية الصهيونية اعتراف الرئيس الأمريكي الأسبق "هاري ترومان"، بالكيان الصهيوني بعد إحدى عشر دقيقة من اعلان "بن غوريون" قيام ما تسمى بدولة إسرائيل على أنقاض الشعب الفلسطيني، وتصريح "بلفور"، الذي منح المرتكز السياسي لهجرة اليهود إلى فلسطين؛ تمهيداً لإقامة كيانهم الاستعماري. وتابع "نتنياهو" قوله: أن اعتراف "ترامب" يذكرنا أيضاً بقرار "قورش الفارسي" بتحرير اليهود والسماح لهم بالعودة إلى فلسطين، وإعادة بناء الهيكل الذي دمره "نبوخذ نصر". 


ما يعرف عن شخصية "ترامب" أنه سيء الخلق، يمارس الرذيلة، ويفتخر بظهوره أمام الكاميرات بصحبة الفتيات والعشيقات، في مخالفة واضحة للحكمة الدبلوماسية المأثورة لرئيس أكبر دولة في العالم. ومع ذلك يرى اليمين المسيحي البروتستانتي في الولايات المتحدة ضرورة التحالف مع "مرشح الفوضى الإلهية"، ودعمه باعتباره الورقة الأرجح؛ لتمرير مخططاته بنقل السفارة إلى القدس، وإقامة الهيكل الثالث، وتحقيق نبوءات آخر الزمان بعودة المسيح إلى الأرض مرة ثانية كما تخبرهم كتبهم المحرفة. ويعتقد الإنجيليون أن الله تعالى بقدرته يمكن أن يسخر قائداً غير مؤمن لخدمة اليهود والتمكين لهم في الأرض مثلما سخر الملك "قورش الفارسي" غير الموحد؛ لإعتاقهم من العبودية وإعادة شعب الله المختار إلى القدس، وقورش الثاني أو قورش العصر على حد وصفهم لا يخرج عن هذا الاعتقاد قيد أنملة.


لم يكن الاعتقاد البروتستانتي الإنجيلي حصراً على "دونالد ترامب" المحاصر بتهم الفساد، والتواصل مع الروس في الانتخابات الرئاسية، والعاجز عن إقناع أوروبا بقراره الأهوج بالانسحاب من "اتفاق النووي الإيراني"، والمرتعب من شبح مغادرته البيت الأبيض في أي وقت. فقد سبقه الكثير من رواد البيت الأبيض اللذين كانت قراراتهم مستوحاة من المؤلفات الإنجيلية التي تنظر لنهاية التاريخ، وانتصار الرجل الأبيض على باقي الأمم والشعوب والأعراق.

المتتبع للتاريخ الأمريكي يجد أن الدعم السخي للكيان الصهيوني يتجاوز بعشرات بل بمئات السنين اعتراف "ترومان" وإعلان "ترامب"

رويترز
 

لقد بات واضحاً أن العلمانية الأمريكية، وفصل الدين عن الدولة والحياة السياسية يواجه ببعض المقاومة والرفض، والدعوات المتكررة التي يطلقها اليمين المسيحي بعودة السياسة الخارجية الأمريكية وساكني البيت الأبيض إلى النموذج اللاهوتي، والالتزام بتعليماته وأوامره في قراراتهم وعلاقاتهم بالحكومات الأخرى؛ سيما دعم الفكرة الصهيونية وبقاء إسرائيل الدولة الأقوى في منطقة الشرق الأوسط والمتفوقة على محيطها العربي.


المتتبع للتاريخ الأمريكي يجد أن الدعم السخي للكيان الصهيوني يتجاوز بعشرات بل بمئات السنين اعتراف "ترومان" وإعلان "ترامب"، ففي عام 1891، قام مبشر مدينة شيكاغو "وليام يوجين بلاكستون"، بزيارة البيت الأبيض وتقديم عريضة للرئيس الأمريكي "بن جامين هاريسون" وقع عليها 413 من كبار الشخصيات من بينهم الرئيس الأمريكي اللاحق "وليام ماكنلي" تطالبه بالعمل على اقتطاع فلسطين من أملاك الدولة العثمانية، وإقامة دولة "كومنويلث" لليهود في فلسطين، وتحقيق آمال "ما قبل الألفية الثالثة" التي لخصها في كتابه "عودة المسيح".

 

وتصف الرسالة التي تلخص المحاور الأساسية للعريضة الرئيس الأمريكي "بن جامين هاريسون" بالملك "قورش"؛ مما دفع الكثير من المؤرخين إلى تسمية "بلاكستون": بالأب الروحي للحركة الصهيونية التي برزت إلى العلن بعد سنوات قليلة. لم يكن "بن جامين هاريسون" أول رئيس طاف به خيال الإنجيليون لخلافة "قورش" في دعم اليهود، فقد سبقه الرئيس "جون آدامز"، الذي أرسل رسالة إلى الكاتب المسرحي والدبلوماسي اليهودي وعمدة مدينة نيويورك "مردخاي مانول نوح" جاء فيها: (أتمنى أن أراك على رأس مئة ألف يهودي لغزو "يهوذا"، وإقامة وطن قومي لليهود على أرضهم التاريخية). كذلك قام "جون آدامز" بإرسال برقية شديدة اللهجة إلى الفيلسوف الفرنسي "فولتير" يعبر فيها عن سخطه لتناول الأخير الشخصية اليهودية بالسخرية والازدراء.

يبدو أن "ترامب" الذي تلاحقه الفضائح الأخلاقية، ومشاعر الرفض الدولي، يرغب في طمأنة المواطن الأمريكي أنه الزعيم الأقوى والقادر على الوفاء بوعوده الانتخابية من خلال تفعيل "قانون نقل السفارة الأمريكية إلى القدس"

رويترز
 

لكن لماذا يبدي التيار المسيحي الإنجيلي المتطرف في الولايات المتحدة اهتماماً بالغاً بمصير الشعب اليهودي، ويضع كل ثقله لإعادتهم إلى فلسطين قبل قرون من قيام الحركة الصهيونية؟ الإجابة تكمن في الحقيقة التاريخية أن الشعب الأمريكي منذ هجرته إلى جغرافيا العالم الجديد انحاز لقراءة الإنجيل الذي كان الأكثر شيوعاً وانتشاراً في أيدي المهاجرين الجدد في ظل عدم معرفتهم باللغة اللاتينية والتراث الروماني وغيرها من اللغات المتداولة في تلك الحقبة.

 

كذلك وجد المهاجرون الجدد في الإنجيل السلاح الفعلي؛ لاستكمال بناء الولايات المتحدة وتوحيدها، والقضاء على أعدائهم من الهنود الحمر. ومما يعزز الفرضية الإنجيلية في دعم الساسة الأوائل لليهود والبحث عن ملاذٍ آمنٍ في فلسطين أن الإنجيل (العهد القديم) يتناول تاريخ اليهود وحروبهم ونبوءاتهم ولم يأتِ على ذكر أمريكا أو العالم الجديد الذي لم يتجاوز عمره ثلاثة قرون؛ مما خلق حالة من الثقافة السياسية المستوحاة من نصوص الإنجيل وخرافاته المحرفة، وأوجد التزاماً روحياً ووجدانياً وعملياً لدى مجتمع العالم الجديد بتوحيد شتات اليهود، وتمكينهم من الاستعلاء في الأرض، ووضع اللبنات الأولى لبناء الهيكل الثالث على أنقاض المسجد الأقصى المبارك.


يبدو أن "ترامب" الذي تلاحقه الفضائح الأخلاقية، ومشاعر الرفض الدولي، يرغب في طمأنة المواطن الأمريكي أنه الزعيم الأقوى والقادر على الوفاء بوعوده الانتخابية من خلال تفعيل "قانون نقل السفارة الأمريكية إلى القدس"، الذي نجح سابقوه بتأجيله أكثر من أربعين مرة لدواعٍ أمنية. ومنذ تمرير الكونغرس الأمريكي القرار إلى الرئيس عام 1995 للمصادقة عليه كانت مسألة نقل السفارة مادة خصبة للمزايدات السياسية وكسب أصوات الناخبين.


ورغم أن هذا القرار يعمل على تغيير الوضع السياسي والقانوني الراهن للمدينة المقدسة، وينسف القرارات والمواثيق الدولية التي تربط مصير القدس بمفاوضات الحل الدائم، ويضع نهاية دراماتيكية لما يسمى بعملية السلام، يظهر "مرشح الفوضى الإلهية" أو "قورش" كما يحب أن يغازله الصهاينة والإنجيليون منتشياً بنصر كبير يمكن أن يخرجه من عنق الزجاجة، ويزيل عنه شبح الخروج المبكر من البيت الأبيض.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة