رامي زوده
رامي زوده
154

رهاب التحديث.. كيف نفسّر واقع الجمود الإسلامي؟

5/8/2018

من يبحث في عناوين الحداثة والتخلف في المجتمعات الإسلامية، يجدها أبحاث جامدة متشابهة، منهم من يقول أن البعد عن الله هو السبب الرئيسي لجمود الأمم، ومنهم من يشهد أن الغرب ووصلاته الحداثية كان سببا في إغراق الشرق الإسلامي في غيبوبة التخلف (كان أشهرهم شكيب أرسلان في كتابه "لماذا تخلف المسلمون العرب وتقدم غيرهم"). كلها دراسات تنتمي إلى الظروف والمناخات الثقافية السابقة، لذلك فنحن مدعوون إلى مراجعة أنفسنا وإلى مطالعة ماهيتنا، ليس للتدليل فقط بل لتقويم الظروف وتعبيد الخطوط والسير في الاتجاه السليم.

 

انطلاقا من فكرة أن الشعوب بشكل عام تميل إلى المقارنة بينها وبين الأخرين، بين الـ "نحن" والـ "هم"، قد تكون هذه المقاربة خير تدليل لاندلاع الحروب، فكم من أمة ارتقت وسقطت على مجدها أممٌ وأمم. فما بين الحداثة والتخلف خيط يرسمه الإنسان: ألا وهو الاقتناع بالتغيير! وليس مصطلح القناعة بشيء يسير إذا ما ضمّد في فعل الإنسان وقوّمه، فالفرد يميل إلى الجمود والكمود، وهذا حال الدول الإسلامية بشكل عام والعربية منها بشكل خاص، فكيف نفسّر واقع الجمود الإسلامي؟ وما هي دلالات التخلّف التي حلّت بغياهب شعوبنا وأممنا؟ وهل نحن حقاً واعين بأنفسنا؟


لنكن جازمين، ما زالت الأمم العربية تعيش هزيمة الماضي الغير بعيد، وهو انحلال الخلافات الإسلامية المتعاقبة وتحديدا الخلافة العثمانية العلية، إذ ما زال العقل العربي يماثل هزائم الحاضر بهزائم الماضي. لقد تشكلت البنى الاجتماعية الحالية على أنقاض تاريخ مهزوم لم يصحى من صدمته، إذ ما تزال الإشكالية في العقل العربي تدور حول صراع أزلي بين شرقي مؤمن وغربي كافر.

 

إننا بحاجة إلى عملية "لا توافق" جماعي للخروج من الواقع وارتداء واقع جديد، لا بد أنها العقيدة الوحيدة التي يمكن أن يخرج منها العربي نحو الرقي

إننا نكاد نجزم أن عقدة الرهاب من الغرب هي ركيزة كل الحركات اليسارية والشعبوية في المجتمعات العربية. إنه رهاب العصر الذي يمكن تفسير كل السلوك الشرقي وصولا إلى ظهور الحركات الراديكالية المتطرفة في مجتمعنا. إذاً أنها قضية الخوف من الأخر التي لم يجد لها العربي حلاً بعد، وبلغة بسيطة: لا يمكن الانخراط في ركب العالم المتقدم دون التوافق مع كيانه والسير في اتجاهه التطوري، بمعنى أوضح فإن زئبق الحضارة يقع اليوم على عاتق الغرب، فها هو العالم يستظل بنور حضارتها وتقدمها، مقابل ترقّب دول متخلفة عنها ما زالت تعيش في الماضي أكثر من الماضي نفسه!


إن عقدة خوف المجتمعات الإسلامية ما زالت تتجذر وتتربص في كل تبعات التقدم، فإن الأجيال الناشئة هي شعلة كل تقدم في مجتمعات شرقية كانت أم غربية، وهي تتماثل اليوم أكثر وأكثر مع الهوية الغربية. بتقديري، إن ما يجري اليوم ومنذ السابق مدة هو فعل تعنيف وتقزيم للأجيال الناشئة المتعاقبة، إن كل أمة متخلفة تتشاءم في المستقبل وكل أمة متقدمة تتفاءل بها، فالمقاربة تكاد تكون دقيقة. إن ما نسعى إلى تحليله أن الأجيال لم تتوقف عن تمزيق روحية الأجيال الناشئة المتمذهبة شيئا فشيئا بالرداء الغربي، إنها عملية جماعية لا واعية تجسد المعنى الأدق لما يعرف بصراع الأجيال ببعده الأيديولوجي والثقافي.


يشاع في علم النفس الاجتماعي مصطلح التوافق، وهو التوافق مع البيئة ومع "الأخر"، وهي دراسة تأخذ حيزا واسعا في عالم التحليل النفسي ودراسة الأمراض. لا بد من التوقف هنا قليلاً والاستنتاج: إن التوافق مع واقعنا لن ينتج إلا مجتمعات مكدسة تعيد نفسها، وإن كل عملية "لا توافق" يمكن أن تؤدي إلى التغيير، فما بين ثقافة جماعية وتطرّف عقائدي يسهل صنع عملية التوافق الفردي-الاجتماعي وهو ما يؤدي بشكل استنسابي إلى التخلف والجمود الفكري والثقافي: إنها مسلّمة لا يمكن تغيّرها بظرف مكان أو زمان أو عناصر بشرية. إننا بحاجة إلى عملية "لا توافق" جماعي.. الخروج من الواقع وارتداء واقع جديد، لا بد أنها العقيدة الوحيدة التي يمكن أن يخرج منها العربي نحو الرقي. ليس الانقلاب على الماضي بالشيء البسيط ولكن هل توازي مجازفة التغيير مرارة هذا الواقع؟

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة