مجاهد أحمد
مجاهد أحمد
325

الحب.. الأعمى والكسيح!

6/8/2018

قال: كانت تنتمي لذلك الصنف النادر من البشرية، ذلك النوع المريض الذي لا يجد نشوته إلا في تحطيم الآخرين والسير على قلوبهم المنكسرة.. وكأن لها قلب ذئب ممتلئ عن آخره بالأحقاد...! تساعدها ملامحها الجميلة في نصب الفخاخ دون أن يشك أحد في أن تلك الملامح البريئة يمكن أن تؤذي مشاعر قطة، ناهيك عن أن تعبث بقلب بشري..!

 

كانت بلا شكل مصابة بمتلازمة مرضية نادرة، إذ تسعى لتحطيم أكبر قدر من الأرقام القياسية فيما يخص القلوب البشرية، ومن ثم التباهي بذلك وتبرئة الذات أمام الجمهور، وتقمص دور الضحية المغلوبة على أمرها.. وبصوت مبحوح وكأنه يخاطبها هي لا أنا.. أضاف: مغلوبون نحن يا سيدتي.. مغلبون نحن لأننا صدقناك.. مغلوبون نحن لأننا آمنا بالفرص الثانية.. نحن المغلوبون لأننا صدقنا أن الإنسان يمكن أن يتغير.. مغلوبون لأننا أحببناك.. ومنتصرة أنتِ لأنك خيبتِ فينا كل ذلك! كانت هي القديسة قبل أسبوع من الآن، وقبل يومين كانت هي الملاك الذي سقط سهواً من سماء سابعة.. اليوم استحالت شيطاناً في عينيه، جعلته يفقد إيمانه بالبشرية جمعاء، بالفرص الثانية، وبكل شيء.. جعله الحب يفعل كل ذلك.

 

ثم أما بعد: من الغريب حقاً أن يتمكن إنسان واحد من تشكيل نظرتنا الكلية للحياة بهذه الطريقة، لطالما أرَّقني هذا الأمر كثيراً، أن يتخذ الإنسان من موقف واحد/ إنسان واحد.. أو شعور بعينه – عدسات للرؤية ويلصقها بعينيه ليرى بها كل شيء، ومُسقطاً كل ذلك على الحياة التي تأتي بعده. قرأت مرة أن الإنسان يميل دائماً لتأبيد اللحظة الحاضرة أمامه "فيسقطها على الماضي والمستقبل".. الحب يضاعف من هذه الرغبة التأبيدية.. بل ويوقف الزمن في مكانه تماماً.. ولكنه في المقابل يضعف الرؤية الصحيحة ويسلب من الإنسان المنظور السليم للأمور.

 

مشكلة الحب هو أن الدراما فيه صاخبة دائماً، ومعدلات الذوبان في الآخر عالية جداً، للحد الذي قد تفقد فيه ذاتك وكرامتك الإنسانية، وعندما تنتبه تجد نفسك قد قامرت بكل شيء في سبيل الشعور

ابن الفارض حين صرّح قائلاً: "أحبك حبّين حب الهوى وحب لأنك أهل لذلك". أراد بذلك أن ينفي هذه التهمة عن الحب، أراد أن يقول لنا أنه - وبرغم الحب - ما زال محتفظاً بعقله الذي قرر به أن حبيبه يستحق! لكن الشاعر - الذي لا أذكر أسمه - كان أكثر صدّقاً وصراحة حين قال: "والله لا أدري أزيدت ملاحةً وحسناً على النسوان أم ليس لي عقل؟!"، نعم بالضبط.. ليس للمحبين من العقل إلا ما يقوم به التكليف خاصة عندما يتعلق الأمر بمن يحبون، هكذا هو الحب أعمى.. يجعل المرء منحازاً دائماً إلى زاوية، متطرفاً في آراءه ومشاعره، حزنه مضاعف، سعادته مفرطة، ومنطقه ساذج.

 

عذراً إن تعمدت أن أبدأ المقال بهذه الطريقة، بتلك القصة السريالية الحزينة التي تكاد تكون خاتمة لكل حكايا العاشقين وروايات الخيال العاطفي – أقول خيال لأن الحب ليس هو فقط تلك العوارض البيولوجية من تسارع في نبضات القلب واتساع لبؤبؤ العينين، هذه مجرد هورمونات يمكن أن تتحصل عليها من أقرب صيدلية دون أن تضطر أن ترتهن حياة إنسان آخر بك، هو أيضاً ليس الحنين والأشواق الدفاقة التي تغنى بها الشعراء ردحاً طويلاً من الزمان ولا يزالون. ما هو إذن؟ لا أدري.. ولا أحد يدري بالضبط، لكن على الأقل ما أعرفه هو أن علاقات مبنية على الهورمونات أو حتى على مجرد الأشواق ليست علاقات إنسانية سوية يمكن أن يعوًّل عليها حتى وإن كانت هي الأكثر رواجاً وحدوثاً على هذا الكوكب البائس. 

 

إن كل شعور إنساني عزيزي القارئ – حب.. حزن.. كراهية.. إلخ – لن يتخطى أبداً حاجز الشعور وسيظل كسيحاً ما لم تكن له أقدام ثابتة تعينه على والاستمرار والمضي قدماً في وجه الزمن.. هذه الأقدام هي الصدق والاحترام! هاتان القيمتان لا يمكن الاستغناء عنهما في أي رابطة إنسانية ولا تحت أي مسمى، حب كان أو سواه، وبمجرد التخلي عنهما تسقط تلقائياً كل رابطة وتنهار. المشاعر الإنسانية لوحدها ليست قادرة على جعل الروابط بين البشر قوية ومتماسكة.. ومشكلة الحب هو أن الدراما فيه صاخبة دائماً، ومعدلات الذوبان في الآخر عالية جداً، للحد الذي قد تفقد فيه ذاتك وكرامتك الإنسانية، وعندما تنتبه تجد نفسك قد قامرت بكل شيء في سبيل الشعور.. في سبيل اللا شيء!

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة