نسيبة درويشة
نسيبة درويشة
394

الجنون بعيدا عن المجانين!

9/8/2018

عادة ما نقصد مشفى المجانين لنرى أناساً نتهمهم بالجنون وتدمع لرؤيتهم عيوننا وتحزن لهم قلوبنا على ما يبدر منهم من حركات وأقوال وأفعال غير لائقة، نشير إليهم بأصابعنا هامسين (الحمد لله الذي عافانا) ولم ندرك يوماً أن هؤلاء لم يكونوا هم المجانين حقاً بيننا، بل وصفناهم بذلك تبعاً لما قيل لنا عنهم.

إن كلمة جن عقله، تعني فسد، زال عقله، والجنون كما قرأت في أحد البحوث، هو عدم القدرة على السيطرة على العقل أو هو مجموعة السلوكيات الشاذة التي يقوم بها الأشخاص (بدون وعي وإدراك ورَغماً عن إرادتهم) وقد يصبح هؤلاء الأشخاص يشكلون خطراً على أنفسهم وعلى الآخرين من حولهم، وإن عدم القدرة على السيطرة على العقل هو المفهوم الوحيد للجنون، هذا لغةً. أما من الناحية الطبية فقد قيل عن الجنون بأنه مرض يصيب الشخص فيُعدمه الإدراك والتمييز وهو اختلال في وظائف العقل.

من خلال هذه التعريفات أستطيع القول إن كان الجنون هو عدم القدرة على السيطرة على العقل أو هو أفعال يقوم بها أشخاص دون وعي ورغما عن إرادتهم أو هو اختلال في وظائف العقل، فماذا نقول عن أشخاص كُثر يمرون في حياتنا بكامل قواهم العقلية ووعيهم وقد يكون بعضهم قد تخطى المرحلة الجامعية!  وحصل على ما حصل من الشهادات أو أدار ما أدار من الشركات! وبعد كل هذا نراه غير قادر على ضبط أفعاله وأقواله ونراه قد يبدُر منه تصرفات لا يقبلها ذو عقل ومنطق. حتى أنه هو ذاته حين تُحدثه نفسه بما فعل يستهجن هذا الفعل، وإن قيل له أترضاه لزوجك أترضاه لابنك لَيُجيبن ومن دون أدنى تردد لا؟

وهذا النمط من الجنون تفشى في هذه الآونة وأصبحنا نتوق لرؤية شخص عاقل بكل ما تحويه الكلمة من معان سامية

أقصد من كلامي أننا نمر على كثير من الأشخاص في حياتنا يعاني من جنون أو لنقل طرفاً من الجنون، فحين يبدر من الشخص خُلق ذميم كغش أو خيانة أوزنا أو سرقة.. إلخ، هو على علم تام أنه لوكان لهذا الفعل ريحاً ستفوح منه بين البشر ما كان ليتردد في أن يفعله أم لا. مِن هنا نستطيع القول أنه من لم يملك القدرة على السيرة على أفعاله وأقواله التي لا يقبلها عقل بشري وهو بكامل إرادته العقلية والفكرية هو الجنون بعينه.

أليس الجنون أن نُخطئ وعندما نصحو من الخطأ نندم ثم نعود له مراراً وتكراراً وكأن شيئا لم يكن؟ أليس الجنون أن نطمس ونصم آذاننا عن سماع نداء عقولنا الواعية فلا نملك القدرة على وزن تصرفاتنا؟ أليس الجنون أن نقوم بفعل لا نقبل أن يطّلع عليه أحد غيرنا فلو اطلع لرفضنا ونبذنا ولم يتقبلنا؟ إن كان العاقل فينا من ملك عقله ووزن تصرفاته وعقل نتائجها، والمجنون من انقلب عقله ولم يملك القدرة على وزن تصرفاته، فبالله عليكم من المجنون الذي يشكل خطر أكبر على المجتمع في نظركم؟ من يملك العقل ويتصرف بما لا يعقل، أم من فسد عقله فلم يملك القدرة على التمييز بين ما عُقِل وما لم يُعقل؟ ألا وإن هؤلاء الذين لا يدركون ما يفعلون ولا يعقلون، بإمكاننا تجنبهم بسهولة ويسر فحالهم بيّن، أما الآخرون فإنهم يصاحبوننا يجالسوننا ويمكثون بيننا لساعات طوال دون أن نعلم أو ندرك، أهم قادرون على السيطرة على عقولهم أم لا، لذا فهم الأخطر على الاطلاق لأنهم يشكلون نسبة تصل إلى ٨٥ بالمئة من المجتمع في نظري، وهذا النمط من الجنون تفشى في هذه الآونة وأصبحنا نتوق لرؤية شخص عاقل بكل ما تحويه الكلمة من معان سامية.

إن تكرار جملة (أعان الله أبنائنا على هذا المجتمع) مراراً، لم تكن خوفاً ممن هم في مشفى المجانين لا والله، بل جاءت خوفا من ٨٥ بالمئة الذين هم خارج مشفى المجانين، يعيشون بيننا يخالطونا ويشاركوننا أفراحنا وأتراحنا وترانا نثق بهم ربما ثقةً عمياء (الحمد لله الذي عافانا). إذن أرى أننا سنعيد النظر في مسألة مشفى المجانين لنخط عليها بخط عريض (العاجزين الناجين من مجتمع مليء بالمجانين). هم حقاً قد نجو مما نحن فيه، وقد أصبح علينا اليوم البحث عن ملجأ يأوينا نحن أيضا عن مجانين هذا العصر، لنُجنب أنفسنا وأبنائنا منهم، أو علينا أن نُحصي هؤلاء المجانين لنجمعهم سوياً وبهذا نضمن السلامة لمن بقي إن كان هناك بقية. اللهم إنا نعوذ بك من كل عاقل مجنون.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة