مجاهد أحمد
مجاهد أحمد
185

علاج الأحزان.. بين الأطباء والأصدقاء!

10/9/2018

بعيون ذابلة ومنطفئة البريق قال: حزن اليوم صار يبيت في صدري، يتضاعف، ويتكاثر، حتى يستحيل إلى كآبة تستشري في الروح، وتخنق المرء كحبل مشنقة يلتف حول عنقي ببطء! لا أعلم بالضبط ما المشكلة، هل هو الروتين، أم التفكير الزائد، أم مصائب الدنيا التي صارت تهطل على حياتي الشخصية بغزارة كخريف هذا العام! إن الكآبة يا صديقي كما يقولون ليست سوى "حزن متعفن"، كما يحدث تماماً للقمامة عندما تتأخر سيارات "النظافة" عن القدوم.. عندها يتعين عليك أن تقوم بنفسك - بواجب لملمتها وإضرام النيران فيها.. مع فارق بسيط هو أن الأحزان في المجمل غير قابلة للاشتعال وبحاجة – كما النفايات المشعة – لطرق معينة للتخلص منها بأمان، وبأقل قدر من التشوهات المعنوية!

 

ثم أما بعد: "ضع قدمك في حذاء غيرك.. فإن آلمك فهو يؤلمهم!" وإن كانت الفكرة أن تضع نفسك في مكان الآخر طلباً للفهم، إلا أن محاولة فهم الآخرين قياساً إلى ذواتنا فكرة ساذجة بكل المقاييس.. خاصة عندما يتعلق الأمر "بالنفسيات". إن كل لكل إنسان في النهاية كينونته الخاصة وحزنه الفريد.. ولعل هذا يفسر ولو جزئياً مدارس علم النفس الكثيرة.. والتي لا تزال -على كثرتها- غير كافية، وعلى هذا المنوال لعلنا بحاجة إلى أكثر من سبعة مليار مدرسة نفسية.. بحساب مدرسة لكل إنسان ذلك أن النفس أصلاً ليست خاضعة لقوانين ثابتة يمكن أن تعمم.. فكل إنسان هو حالة فريدة لها خصوصيتها التي يجب أن تحترم.. لذلك يبدو لي من العنجهية والغرور أن يدعي أحدهم أن يفهمنا، أو يفهم يقيناً أحزاننا وكآبتنا.

 

أشرت على ذلك الصديق في النهاية بالذهاب إلى أحد الأطباء النفسيين.. إذ أحياناً يشعر المرء بأن حياته ومزاجه الشخصي قد خرجا من يده، وباتا بعيدان كل البعد عن متناول سيطرته، يشعر المرء بأنه قد سقط في متاهة لا يعرف كيف الخروج منها، بحاجة إلى يد تمسك بيده، إلى صوت يطمئنه، ويدله على طريق هو أصلاً يعرف معالمه جيداً.. لم يكن بحاجة إلى خطب وعظات مني، فقط هو بحاجة إلى تلك الزيارة، ليس لأن الطبيب النفسي سيفهم حزنه أكثر منه هو نفسه أو حتى أكثر مني أنا صديقه المقرب، إنما مجرد الحديث مع غريب بهدوء وصراحة له فعل السحر علينا، نصف الحزن سيسقط بمجرد الكلام.. البقية الباقية منه ستسقط بنصائح عامة وكلام نعرفه أصلاً، وموعظة سمعناها ربما مئات المرات، لكنها هذه المرة لها وقع مختلف وتأثير آخر.

 

الأصدقاء نعمة، خاصة أولئك الذين يجيدون الإنصات.. هؤلاء أطباء نفسيين بالفطرة، فاستعينوا بهم على الأحزان علًّها تزول

مواقع التواصل
 

ثم إننا -أيها السادة- حين التعامل مع مشاكلنا النفسية عموماً والاكتئاب خصوصاً دائماً متطرفين، إما بالهروب والإنكار الشديد.. النابع من الخيالات العالقة في أذهاننا، والمعششة في رؤوسنا من زمان، تلك التي تهمس باستمرار في آذاننا بأن الأزمات النفسية ما هي إلا مس شيطاني، وضعف إيماني وعار عظيم ينبغي ستره عميقاً ودفنه في أكثر الأماكن سواداً وظلمة في دواخلنا.

 

الجانب الآخر من التطرف هو الهرولة إلى الأطباء النفسيين عند كل حزن طارئ، أو أزمة عابرة.. نُلقي بالعبء إلى الآخرين دائماً، ونتهرب من تحمل مسؤولية الأحزان الشخصية المقدور عليها، ونستجدي تبعاً لذلك النصائح عند كل صغيرة وكبيرة. على المرء أن يعتدل في كل شيء.. يتحمل ما يستطيع، ويطلب المساعدة فقط عندما يحتاج إليها. ثم إن الأصدقاء نعمة، خاصة أولئك الذين يجيدون الإنصات.. هؤلاء أطباء نفسيين بالفطرة، فاستعينوا بهم على الأحزان علًّها تزول.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة