منصور أبو كريم
منصور أبو كريم
284

ماذا لو انهارت الهدنة؟.. حماس والاختيار من المُر

12/9/2018

شّكل فشل مفاوضات التهدئة الغير مباشرة بين حركة حماس وإسرائيل تحدي كبير للحركة ولحكمها لقطاع غزة، فالحركة عولت كثيرًا على الاتفاق لتحسين الأوضاع المتردية في قطاع غزة من جانب، والهروب من متطلبات المصالحة الفلسطينية من جانب أخر. لقد وضع تعثر مسار التهدئة بين حركة حماس وإسرائيل تحديات كبيرة أمام الحركة، خاصة في ظل استمرار تردي الأوضاع الاجتماعية الاقتصادية والإنسانية في القطاع، الذي تسيطر عليه الحركة ما يضعها في موقع المسؤولية أمام المواطن الفلسطيني، فالحركة مسؤولة عن توفير متطلبات الحياة الكريمة لحوالي 2 مليون مواطن في القطاع، ما يحتم عليها البحث عن خيارات بديلة لهذا الوضع المتردي.

أولاً: التهدئة بين حماس وإسرائيل

مباحثات التهدئة بين حماس والاحتلال الإسرائيلي التي أعلن عن توقفها من قبل مصر قبل أيام دخلت مرحلة من الجمود في ظل تطورات سياسية فلسطينية وإسرائيلية وإقليمية، بالتزامن مع دخول إسرائيل والمنطقة في هذه الأيام حالة من البيات الشتوي السياسي في ظل الأعياد اليهودية من جهة، واجتماعات الأمم المتحدة من جهة أخرى، مما يعني عدم وجود حراك جدي لاستئنافها ما لم يطرأ طارئ على الأرض يعيد لها الديمومة التي كانت تصاحبها قبل أسابيع. فقد نشر موقع "ميدل إيست آي" البريطاني تقريرًا، تحدث فيه عن وجود محادثات متقدمة بين "إسرائيل" وحماس، قد تفضي إلى توفير ممر مائي يمثل متنفسا لسكان قطاع غزة المحاصر، في مقابل وقف العمليات العسكرية ضد المستوطنين الإسرائيليين، وذلك في إطار صفقة يتم التحضير لها بوساطة دولية وإقليمية، وسط امتعاض في صفوف حركة فتح.


وكان الموقع الإلكتروني لصحيفة "هآرتس" الاسرائيلية، ذكرت، أن المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر "الكابنيت" وافق على هدنة مع حركة حماس الفلسطينية، مشيرا إلى أن الهدنة تضم 6 بنود رئيسية ستطبق تدريجيا خلال الفترة المقبلة. وبحسب الموقع، فإن الهدنة التي تشرف عليها أطراف متعددة، دخلت حيز التنفيذ بعد أن فتحت "إسرائيل" معبر كرم أبو سالم التجاري مع غزة، ووسعت مساحة الصيد هذا الأسبوع وأوضحت الصحيفة أن البنود الستة تتضمن أولا وقفاً شاملاً لإطلاق النار، وثانيا فتح المعابر وتوسيع مساحة الصيد، وكلاهما تم تحقيقهما حتى الآن، بحسب التقرير. وتتضمن البنود الأخرى إدخال مواد طبية ومساعدات إنسانية، والعمل على إجراء ترتيبات خاصة لحل قضية الأسرى والمفقودين الإسرائيليين في غزة، وإعادة تأهيل البنية التحتية لغزة بتمويل أجنبي، ومن ثم إجراء محادثات حول قضيتي المطار والميناءـ وفقا لهآرتس.


ثانياً: أسباب فشل التهدئة
ساهمت الخلافات الداخلية الإسرائيلية سواء داخل الحكومة الإسرائيلية أو خارجها في إفشال الاتفاق، خاصة أن الاتفاق تحول لمادة دسمة في وسائل الإعلام الإسرائيلية

لا شك أن هناك العديد من الأسباب والعوامل الذاتية والموضوعية التي أدت في مجملها إلى توقف مفاوضات التهدئة بين حركة حماس وإسرائيل، فرغم تركيز الحركة على هذا المسار للوصول لتهدئة مع إسرائيل، إلا هذا المسار لم ينجح في تحقيق الهدف منه. فثمة العديد من الأسباب التي أدت لتوقف مباحثات التهدئة من بينها:


1- تعارض مصالح الوسطاء
شكل تعارض وتناقض مصالح الأطراف الوسيطة بين حركة حماس وإسرائيل وتداخل مصالحها وتناقض أدورها أحد أهم أسباب فشل الاتفاق، فالحركة فتحت أكثر من مسار للمفاوضات مع إسرائيل، فتعارض مصالح الوسطاء ساهم بشكل جدي في تعطيل مفاوضات التهدئة بين الحركة وإسرائيل.


2- معارضة السلطة الفلسطينية
كشفت مصادر مطلعة أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس أوقف اتفاق التهدئة بين حماس وإسرائيل، بعدما هدد الأطراف المشاركة فيه بوقف التحويلات المالية إلى قطاع غزة في اليوم التالي للاتفاق، وتحميل هذه الجهات المسؤولية عن انفصال القطاع عن بقية الأراضي الفلسطينية. وأفادت المصادر بأن أي دولة في العالم لم تبدِ استعداداً لتوفير تمويل بديل عن التمويل الذي تقدّمه السلطة لقطاع غزة. وأبلغت مصر السلطة الفلسطينية، رسمياً، بأنها لن تتفاوض على هدنة بين حماس وإسرائيل من دون موافقة الرئيس محمود عباس، وأنها أعطت الأولوية الأولى لملف المصالحة.


3- الخلافات الداخلية الإسرائيلية
ساهمت الخلافات الداخلية الإسرائيلية سواء داخل الحكومة الإسرائيلية أو خارجها في إفشال الاتفاق، خاصة أن الاتفاق تحول لمادة دسمة في وسائل الإعلام الإسرائيلية، ومصدر للنكاف السياسي بين قادة أحزاب اليمين الإسرائيلي، صحيفة القدس الفلسطينية قالت إنه في الوقت الذي تضغط فيه حركة حماس على الأطراف المختلفة من أجل تسريع التوصل لاتفاق التهدئة، فإن إسرائيل هي الجهة التي تقف خلف تعثر جهود التهدئة وعرقلتها.


ثالثاً: خيارات حركة حماس المستقبلية

قالت صحيفة الحياة اللندنية: إن تعطيل ملفي المصالحة الفلسطينية، والتهدئة مع الاحتلال الإسرائيلي، وضع حركة حماس في الزاوية، وجعلها أمام خيارات صعبة، بل ربما تكون مستحيلة. فشل خيار التهدئة مع إسرائيل نتيجة للأسباب السابقة يضح حركة حماس أمام تحديات مصيرية، فالحركة بنت آمال كبيرة على هذا الاتفاق كمخرج لازمة حكمها في غزة، مما يعني أن فشل هذا المسار يبقى الحركة أمام خيارات محدودة تتمثل في الخيارات التالية:


1- خيار التصعيد مع إسرائيل
التصعيد مع إسرائيل أحد الخيارات والاحتمالات المتاحة أمام حركة حماس بهدف دفع الأطراف مرة أخرى للتدخل وفتح مسار مفاوضات التهدئة مرة أخرى، فالحركة قد لجئت لهذا الخيار منذ شهور لتحقيق هذا الهدف، والعودة لخيار التصعيد المدروس والمنضبط مع إسرائيل على حدود غزة قد يكون أهم أدوات الحركة خلال الفترة القادمة.


لذا تتجه حركة حماس إلى "تصعيد شعبي كبير" مع إسرائيل عبر إعطاء مسيرات العودة على حدود قطاع غزة زخماً أكبر، بما في ذلك إمكان استئناف إرسال الطائرات الورقية الحارقة باتجاه الأراضي الخاضعة لسيطرة إسرائيل. هذا التحرك المرتقب من حماس هدفه إعادة لفت النظر إلى الوضع العام السيئ في قطاع غزة، بعد فشل مباحثات التهدئة، كما أنه يمثّل رسالة احتجاج قوية على وقف تلك المباحثات.

تواجه حركة حماس في قطاع غزة العديد من التحديات بعد فشل مفاوضات التهدئة مع إسرائيل، خاصة في ظل انهيار الوضع الاقتصادي وتفاقم الأزمة الإنسانية، ما يجعل خيارات الحركة محدودة وصعبة

رويترز
 

التصعيد خيار محتمل لدى حركة حماس، الذي بدأت به بالفعل، لكنه خيار يحتمل الكثير من المخاطر، لأن التصعيد مع إسرائيل عبر مسيرات العودة البالونات الحارقة قد يقود لجولة تصعيد أو حرب شاملة مع الجيش الإسرائيلي في ظل تردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية ما يجعل هذا الخيار ذات مخاطر استراتيجية. خاصة في ظل الأزمة التي تعاني منها الأونروا، ما يعني أن الوكالة لن تكون قادرة على فتح مدارسها أو تقديم خدماتها للسكان النازحين من المعارك، ما يعني تفاقم الأزمة الإنسانية في حالة اندلاع المواجهة.


2- خيار المصالحة الفلسطينية
العودة إلى مسار المصالحة الفلسطينية، والتفاهم مع حركة فتح والسلطة الفلسطينية أحد الخيارات المطروحة أمام حركة حماس للخروج من المأزق، صحيح أن المصالحة ليست خيار ذو أولوية لدى الحركة نظرا لتجارب الفشل السابقة، لكنه يظل خيار قائم. حركة حماس قد تذهب لهذا الخيار، لامتصاص الغضب المصري من جانب وتنفيس حالة الاحتقان الداخلي من جانب آخر، وإعطاء نفسها فرصة لتقييم الأوضاع مرة أخرى، كما حدث نهاية عام 2017، فالحركة قد تذهب لهذا الخيار تحت ضغوط الواقع وانسداد أفق التهدئة للهروب من واقع المسؤولية التي تتحملها في القطاع.


3- خيار المراوحة في نفس المكان
تدرك حركة حماس صعوبة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في قطاع غزة، وتدرك مخاطر الذهاب بعيدًا في خيار التصعيد مع الاحتلال الإسرائيلي، وتدرك أيضاً صعوبة التزام الحركة بمتطلبات المصالحة الفلسطينية، خاصة أن الحركة تقف في موقف الضعيف، بعد ما أفشل الرئيس عباس جهود الحركة في عقد اتفاق تهدئة مع إسرائيل، لذلك سوف تحاول الحركة المراوحة في المكان، مع تصعيد محدود مع الاحتلال الإسرائيلي عبر مسيرات العودة والبالونات الحارقة والطائرات الورقة لإعادة فتح ملف مفاوضات التهدئة بدون الذهاب بعيدا في مسار التصعيد أو مسار المصالحة.


تواجه حركة حماس في قطاع غزة العديد من التحديات بعد فشل مفاوضات التهدئة مع إسرائيل، خاصة في ظل انهيار الوضع الاقتصادي وتفاقم الأزمة الإنسانية، ما يجعل خيارات الحركة محدودة وصعبة، فهي إما أن تذهب باتجاه التصعيد مع إسرائيل لدفع الأطراف الدولية والإقليمية لإعادة فتح مفاوضات التهدئة مرة أخرى، أو أن تذهب باتجاه العودة إلى مسار المصالحة الفلسطينية مرة أخرى لامتصاص الغضب المصري وتنفيس حالة الاحتقان الداخلي، أو البقاء في المنطقة الرمادية بين التصعيد والمصالحة لحين اتضاح الموقف الأمريكي من الحل، للحفاظ على حكمها في غزة من جانب وعدم دفع اثمان كبيرة سواء في مسار التصعيد أو المصالحة من جانب أخر، ما يعني استمرار الوضع الراهن لعدة شهور قادمة، لحين الانتهاء من انتخابات النصفية الأمريكية والكنسيت الإسرائيلي، فالواضح أننا لن نشهد تهدئةً أو مصالحةً أو حرباً خلال الشهور القادمة، رغم أن كافة الاحتمالات تظل قائمة.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة