رامي إبراهيم البنا
رامي إبراهيم البنا
857

المأمون.. وفتنة خلق القرآن

13/9/2018

خلط البحث العلمي بالتسويق والهوى الشخصي إحدى الآفات الظاهرة والمنتشرة الآن، فكثيرٌ من الباحثين حينما يدرس نقطة في مجال الدراسات العربية يقع في شِباك الإعجاب والحب؛ وقد تكون نقطة البحث هذه متمثلة في شخصٍ أو حدثٍ ما أو جماعة معينة، فدارس ابن حزم يصبح حزميًا ودارس ابن تيمية يصبح تيميًّا لا يرى غيره، ودارس المعتزلة هو معتزليٌّ يدافع عنهم وينافح، ومن ثم يتحوّل كل هؤلاء الدارسون من دارس باحث أكاديمي يسعى إلى نتيجة متزنة قريبة من الصواب إلى مسوِّق وداعٍ إلى ما درسه.

 

كمندوب المبيعات، فهو حريصٌ على إخفاء عيوب ما يدرسه، وإظهار محاسنه وفضائله للقارئ أو المشتري الزبون، وقد ينقلب الأمر تمامًا لدى الباحث، فيدرس نقطة البحث بعدائية شديدة، يخفي الحق ليصل إلى ما يريده في هواه، ولا شك أن الموقفين نابعان عن نقص في تصوّر البحث العلمي. لقيت فرقة المعتزلة احتفاءً كبيرًا في السنين الأخيرة، خاصة من المستشرقين الأجانب، وقد راج وشاع الاعتقاد بأن المعتزلة هم أولو العقل والفكر أصحاب التنوير الحقيقين، ليبراليو العصر الأول، يدعون إلى حرية الفكر والاجتهاد والرأي الحر.


فقد كان صعود نجم المعتزلة في التاريخ الإسلامي نقطة فارقة، كانت شخصية الخليفة العباسي المأمون 198 - 218 هـ شخصية مختلفة عن سابقيه من الخلفاء العباسيين، جعل من بيت الحكمة مركزًا لترجمة الكتب اليونانية وعرف الناس بفضله اليونان أرسطو وأفلاطون وغيره، أحبَّ الطب والهندسة والرياضيات وغيرها من العلوم، كان يحب أن يعمل عقله وفكره، انضمت حول الخليفة المأمون طائفة المعتزلة، واقتنع بفكرهم وصار منهم وصاروا منه.

كان محرّك فتنة خلق القرآن الخليفة المأمون، فهو السلطان آنذاك وكان بيده الكرباج الذي سعى من خلاله فرض هذا الرأي على جموع المسلمين في الأقطار والبلدان

يقول البعض بأن المعتزلة هم ليبراليو العصر الأول؛ والمعتزلة طائفة دينية نشأت في الصدر الأول من الإسلام، لها مذهبها الفكري المعروف، أما الليبرالية فهو مذهب سياسي أو اقتصادي يعطي الفرد الأهمية والأولية في ممارسة حياته كيفما شاء (انظر: جون ستيوارت ميل، أسس الليبرالية السياسية)، هذا المذهب نشأ في أمشاج النهضة الأوربية. فالمفهوم في أسماعنا أن الشخص الليبرالي هو الذي يعطيك الحق في التفكير الحر وفي عمل ماشئت بعيدًا عن أي ضغوط خارجية متمثلة في سلطة أيا كان نوعها، وأزعم أن هذا المفهوم ليس له وجود في العصور الوسطى، لم يكن لا عند المسلمين أو غيرهم.


وأصل المشكلة هنا هو الخلط بين الماضي والحاضر، والإتيان بمفاهيم عصرية حديثة نشأت في الواقع المكاني والزماني الحالي وتطبيقها على التاريخي القديم، وهذه إحدى المشكلات التي نعاني بها أثناء بحثنا في التراث العربي، فالمقصد هنا أن دراسة أي نقطة بحثية لابد أن يكون في السياق الزمني والمكاني لها، ومن خلال ذلك يُسَار في البحث.


سنتنزّل هنا قليلا في النقاش لنقول بأن المقصود بهذا العنوان، هو أن المعتزلة كانوا دعاة الفكر والرأي والحرية، وسنضع نقطة خلق القرآن في طريق هذا الادّعاء لنرى هل سيثبت أمامه، أم سينتهي ويزول هاربًا باهتًا من نفسه دون عناء؟! كان محرّك فتنة خلق القرآن الخليفة المأمون، فهو السلطان آنذاك وكان بيده الكرباج الذي سعى من خلاله فرض هذا الرأي على جموع المسلمين في الأقطار والبلدان، ولن نخوض في تفاصيل الأمر وكيف اقتنع هذا الخليفة ومن كان وراءه، لكننا الآن سنقفز إلى ما كتبه المأمون نفسه إلى أمرائه وعمّاله عن خلق القرآن ودعوة الناس له.


نقل لنا الطبري 224 هـ - 310 هـ عدة كتبٍ من التي بعثها الخليفة العباسي المأمون لعمّاله وسننقل منها أول كتابٍ بعث به المأمون لعامله على مدينة الرقة إسحاق بن إبراهيم، وهذا الكتاب يعتبر إعلان لقيام الفتنة، يقول الطبري في أحداث سنة 218هـ: وفي هذه السنة كتب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم في امتحان القضاة والمحدثين، وأمر بأشخاص جماعة منهم إليه إلى الرقة، وكان ذلك أول كتاب كتب في ذلك، ونسخة كتابه إليه:


أما بعد، فإن حق الله على أئمة المسلمين وخلفائهم الاجتهاد في إقامة دين الله الذي استحفظهم، ومواريث النبوة التي أورثهم، وأثر العلم الذي استودعهم، والعمل بالحق في رعيتهم والتشمير لطاعة الله فيهم، والله يسأل أمير المؤمنين أن يوفقه لعزيمة الرشد وصريمته، والإقساط فيما ولاه الله من رعيته برحمته ومنته، وقد عرف أمير المؤمنين أن الجمهور الأعظم والسواد الأكبر من حشو الرعية وسفلة العامة، ممن لا نظر له ولا روية ولا استدلال له بدلالة الله وهدايته والاستضاءة بنور العلم وبرهانه في جميع الأقطار والآفاق أهل جهالة بالله، وعمى عنه، وضلالة عن حقيقة دينه وتوحيده والإيمان به.


ونكوب عن واضحات أعلامه وواجب سبيله، وقصور أن يقدروا الله حق قدره، ويعرفوه كنه معرفته، ويفرقوا بينه وبين خلقه، لضعف آرائهم ونقص عقولهم وجفائهم عن التفكّر والتذكّر، وذلك أنهم ساووا بين الله تبارك وتعالى وبين ما أنزل من القرآن، فأطبقوا مجتمعين، واتفقوا غير متعاجمين، على أنه قديم أول لم يخلقه الله ويحدثه ويخترعه، وقد قَالَ الله عز وجل في محكم كتابه الذي جعله لما في الصدور شفاء، وللمؤمنين رحمة وهدى: «إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا» ، فكل ما جعله الله فقد خلقه، وقال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ»، وقال عز وجل: "كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ"، فأخبر أنه قصص لأمور أحدثه بعدها وتلا به متقدمها، وقال: "الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ"، وكل محكم مفصل فله محكم مفصل، والله محكم كتابه ومفصله، فهو خالقه ومبتدعه.

لا عمل إلا بعد يقين، ولا يقين إلا بعد استكمال حقيقة الإسلام، وإخلاص التوحيد، ومن عمي عن رشده وحظه من الإيمان بالله وبتوحيده، كان عما سوى ذلك من عمله والقصد في شهادته أعمى

رويترز
 

ثم هم الذين جادلوا بالباطل فدعوا إلى قولهم، ونسبوا أنفسهم إلى السنة، وفي كل فصل من كتاب الله قصص من تلاوته مبطل قولهم، ومكذّب دعواهم، يرد عليهم قولهم ونحلتهم ثم أظهروا مع ذلك أنهم أهل الحق والدين والجماعة، وأن من سواهم أهل الباطل والكفر والفرقة، فاستطالوا بذلك على الناس، وغروا به الجهال حتى مال قوم من أهل السمت الكاذب، والتخشع لغير الله، والتقشف لغير الدين إلى موافقتهم عليه، ومواطأتهم على سيئ آرائهم، تزينا بذلك عندهم وتصنعا للرئاسة والعدالة فيهم، فتركوا الحق إلى باطلهم، واتخذوا دون الله وليجة إلى ضلالتهم، فقبلت بتزكيتهم لهم شهادتهم، ونفذت أحكام الكتاب بهم على دغل دينهم، ونغل أديمهم، وفساد نياتهم ويقينهم. وكان ذلك غايتهم التي إليها أجروا، وإياها طلبوا في متابعتهم والكذب على مولاهم، وقد أخذ عليهم ميثاق الكتاب ألا يقولوا على الله إلا الحق، ودرسوا ما فيه، أولئك الذين أصمهم الله واعمى أبصارهم، «أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُه".


فرأى أمير المؤمنين أن أولئك شر الأمة ورؤوس الضلالة، المنقوصون من التوحيد حظا، والمخسوسون من الإيمان نصيبا، وأوعية الجهالة وأعلام الكذب ولسان إبليس الناطق في أوليائه، والهائل على أعدائه، من أهل دين الله، وأحق من يتهم في صدقه، وتطرح شهادته، لا يوثق بقوله ولا عمله، فإنه لا عمل إلا بعد يقين، ولا يقين إلا بعد استكمال حقيقة الإسلام، وإخلاص التوحيد، ومن عمي عن رشده وحظه من الإيمان بالله وبتوحيده، كان عما سوى ذلك من عمله والقصد في شهادته أعمى وأضل سبيلا ولعمر أمير المؤمنين إن أحجى الناس بالكذب في قوله، وتخرص الباطل في شهادته، من كذب على الله ووحيه، ولم يعرف الله حقيقة معرفته، وإن أولاهم برد شهادته في حكم الله ودينه من رد شهادة الله على كتابه، وبهت حق الله بباطله.


فاجمع من بحضرتك من القضاة، واقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين هذا إليك، فابدأ بامتحانهم فيما يقولون وتكشيفهم عما يعتقدون، في خلق الله القرآن وإحداثه، وأعلمهم أن أمير المؤمنين غير مستعين في عمله، ولا واثق فيما قلده الله، واستحفظه من أمور رعيته بمن لا يوثق بدينه وخلوص توحيده ويقينه، فإذا أقروا بذلك ووافقوا أمير المؤمنين فيه، وكانوا على سبيل الهدى والنجاة فمرهم بنص من يحضرهم من الشهود على الناس ومسألتهم عن علمهم في القرآن، وترك إثبات شهادة من لم يقر أنه مخلوق محدث ولم يره، والامتناع من توقيعها عنده واكتب إلى أمير المؤمنين بما يأتيك عن قضاة أهل عملك في مسألتهم، والأمر لهم بمثل ذلك، ثم أشرف عليهم وتفقد آثارهم حتى لا تنفذ أحكام الله إلا بشهادة أهل البصائر في الدين والإخلاص للتوحيد، واكتب إلى أمير المؤمنين بما يكون في ذلك، إن شاء الله.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة