عمر الجنابي
عمر الجنابي
984

واشنطن وطهران.. هذه الرسائل تكشف سعيهم لحرق العراق

13/9/2018

في عمق الوسط السياسي والتحركات داخل دهاليز أنفاق المنطقة الخضراء بدا المشهد بعيدا كل البعد عن العمل السياسي وسياقاته الكلاسيكية المعهودة، حيث لا اجتماعات ولا لقاءات ولا مشاورات ومباحثات وكل ما يجري ليس بشكله الطبيعي، وانتقلت لغة التهديد والوعيد من لقاءات الغرف المظلمة إلى الإعلام والبيانات الصحفية، وكأننا بانتظار اشتعال فتيل قنبلة وليس أزمة، فالأزمة عمرها 15 عاما، وإن بقيت وتيرة التصعيد بهذا الشكل بين اللوبي الأمريكي – البريطاني من جهة واللوبي الإيراني من جهة أخرى، فسنشهد تفجراً بالأوضاع بانت أولى ملامحه أقصى الجنوب حيث عروس الخليج "البصرة".

 

فبعد حرق مقار الأحزاب والفصائل المسلحة الموالية لإيران إضافة إلى قنصلية طهران في البصرة، تهددت القنصلية الأمريكية في المنطقة ذاتها، إضافة إلى قصف بالصواريخ وقذائف الهاون طال السفارة الأمريكية داخل المنطقة الخضراء المحصنة مرتين خلال أسبوع واحد، ليخرج بعد ذلك الرجل الأولى لإيران في العراق والذي يشغل منصب نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي بلقاء تلفزيوني ليتهم القنصلية الأمريكية في البصرة مسؤولية الأحداث الأخيرة، إضافة إلى ضلوعها بأحداث أخرى خلال السنوات الماضية في المحافظة الغنية بالنفط، والتي تنتج أكثر من نصف صادرات العراق النفطية، والاتهامات ذاتها كالها زعيم عصائب أهل الحق الفصيل المسلح الذي شكل حزبا مؤخرا للدخول بالانتخابات شأنه شأن فصائل مسلحة أخرى انضوت جميعها تحت راية تحالف الفتح برئاسة هادي العامري الأمين العام لمنظمة بدر التي أسست في إيران إبان الحرب العراقية الإيرانية.

 

المهندس هاجم سفراء ثلاث دول وهي: أمريكا وبريطانيا والسعودية، وقال إن سفراء هذه الدول ضالعون بما يحدث، وقال أيضا إن سفيري لندن وواشنطن يتنقلان من بيت إلى بيت لتهديد أعضاء في مجلس النواب والضغط عليهم من أجل الانضمام لكتلة رئيس الوزراء حيدر العبادي وتجديد الثقة به لولاية ثانية، وهذا ما ترفضه الفصائل المسلحة وجهات سياسية.

 

لم يعد الحديث عن السياسة والتحالفات والاتفاقات رائجاً ما بين الأحزاب والكتل السياسية، فلا وعد ولا عهد لا بين معمم ولا مدني، كما أنه لا كتلة صلبة

بالمقابل اتهم العبادي جهات سياسية تمتلك أجنحة مسلحة بالوقوف وراء إحراق المؤسسات الحكومية ومقار الأحزاب والاستيلاء على التظاهرات بالبصرة، إضافة إلى محاولاتها السيطرة على البلاد، العبادي بدا أكثر ثقة في البصرة، بعد ظهوره المهزوز في جلسة البرلمان الاستثنائية التي دعا لها زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر والتي وصفها رئيس الوزراء بأنها استغلت لغير الهدف الذي عُقدت من أجله وهو مناقشة الأوضاع في البصرة، الجلسة ذاتها التي حذر فيها العبادي من "تحول الصراع السياسي إلى صراع مسلح وعزل الجانب الأمني والسياسي عن الجانب الخدمي".

 

العبادي الذي شهدت علاقته مؤخرا بشركائه السياسيين توترا وطلاقا في بعض الأحيان لا سيما بعد انشقاق الحلفاء في تحالف "النصر" الذي يترأسه مثل "فالح الفياض" رئيس هيئة الحشد الشعبي الذي أقاله بعد ذهابه صوب تحالف "المالكي والعامري" ما اضطر العبادي لإقالته من منصبه، وشن تحالف "سائرون" بزعامة مقتدى الصدر هجوما لاذعا على العبادي، وطالبوه بالاستقالة من رئاسة الحكومة، ولعل ذلك الذي هزَّ العبادي وشكل له صدمة كبيرة في جلسة البرلمان الاستثنائية الخاصة بمناقشة الأوضاع في البصرة.

 

حيث يعلم العبادي والجميع أن محافظ البصرة "أسعد العيداني" التقى الصدر في النجف قبل الجلسة بيوم في مقر إقامة الأخير للاتفاق والتنسيق بشأن الجلسة التي دعا لها الصدر، ومهاجمة العيداني وقيادات في سائرون مثل "صباح الساعدي" المقرب من الصدر أمام مجلس النواب للعبادي ورفع الصوت وكيل الاتهامات له، كل تلك الأحداث صدمت العبادي وجعلته مذهولا وكأنه لم يتهيأ لمثل هذا خصوصا أنه الحليف الاستراتيجي لما سُمي "تحالف الإصلاح والبناء" إلى جانب كتل سياسية أخرى.

 

إذا لم يعد الحديث عن السياسة والتحالفات والاتفاقات رائجاً ما بين الأحزاب والكتل السياسية، فلا وعد ولا عهد لا بين معمم ولا مدني، كما أنه لا كتلة صلبة، فبعد أن اتفق الجميع على أن الكتل السياسية بعد إعلان نتائج الانتخابات جميعها "سائلة"، سرعان ما تبخر الجميع فور اقتراب إعلان الكتلة الأكبر، وبدا من الصعب إعادة تكثيفهم وإعادتهم إلى كتلتهم السابقة، ويبدو أن اللاعبين الدوليين والمتحكمين من تحت الطاولة بالملف العراقي "وإن ظهرت رؤوسهم"، على أولئك تكثيف السائل ومن ثم تجميده وإعلان تشكيل حكومة لا تقل سوءا وفسادا عن سابقاتها، لا سيما أن معظم من فاز بالانتخابات فاز بالتزوير والتلاعب بأصوات الناخبين بحسب مفوضية الانتخابات نفسها التي أكدت أن أكثر من ألف موظف من موظفيها متهم بالتزوير.

 

العبادي المستبعد من معظم الشركاء السياسيين ومن مرجعية النجف، سيطلب بزيارته إلى واشنطن من الإدارة الأمريكية بحسب مقربين منه إعلان حكومة طوارئ

مواقع التواصل
 

اللاعبون الدوليون "أمريكا وبريطانية" و "إيران" يتجهون صوب خيارين أولهما: أن تشكل إيران حكومة عبر مفاوضها قائد فيلق القدس في الحرس الثوري "قاسم سليماني" والذي استطاع حتى الآن جمع كل الأطراف الشيعية "المسلحة"، إضافة إلى أطراف "سنية" سلمت للأمر الواقع، وأدركت أن الأرض لإيران ومن معها من فصائل مسلحة، وأنه لا عودة لتلك الأرض دون الاصطفاف مع القوي، وكذلك بات التوقيع مع "الكرد" شبه محسوم لا سيما أن واشنطن سبق لها أن نكثت وعودها لهم بالانفصال عن العراق وتخلت عنهم بعد أزمة الاستفتاء وأحرجتهم أمام الأطراف العراقية الأخرى الذين كانوا يتوقعون أن الإدارة الامريكية لن تتخلى عن إقليم كردستان، واتضح عكس ذلك تماماً، ناهيك أنَّ مرشح أمريكا هو حيدر العبادي الذي أخرج الكرد من كركوك وقطع مرتبات موظفيهم لفترة طويلة، وضيق عليهم بموضوع تصدير النفط.

 

أما الثاني: هذا الطرف هو الأضعف حتى الآن فإدارة ترمب لم تبد جدية في التعامل مع الملف العراقي بصورة جادة، ولم تفهم وضعها على الأرض وسرعة تطور الأوضاع هناك، إضافة إلى انعدام الثقة بينها وبين معظم الأطراف السياسية، إن لم يكن جميعها، كما أن بريطانيا بات جلياً لها أن البصرة لم تعد حصتَها في العراق، وأنها أصبحت مع حليفتها واشنطن بمركب واحد، وأن الأرض والنفط وكل شيء صار بعيد المنال، هذا التدخل بالوقت الضائع جعل هذا الطرف أمام حل واحد لا غير، وهو "حكومة طوارئ" وعلى الرغم من أن هذا هو الحل المناسب في ظل وجود جيش وقوات أخرى لا تتفق مع الحشد قبل أن يهيمن عليه الأخير إنْ شكَّل الحكومة، فهذا الأمر أقرب للمستحيل في ظل الوضع الراهن، واللجوء لحكومة طوارئ يعني قتال شوارع وحرباً داخلية ستأكل الأخضر واليابس، وهو ما لا تريد جميع الأطراف حدوثه بعد، وإن حصل فهذا الانتحار بعينه.

 

العبادي المستبعد من معظم الشركاء السياسيين ومن مرجعية النجف بعد إعلانها رفض تسلم أي شخصية كانت بالسلطة لمنصب رئيس الحكومة المقبلة، سيطلب بزيارته إلى واشنطن من الإدارة الأمريكية بحسب مقربين منه إعلان حكومة طوارئ، فهل نحن أمام اقتتال داخلي بدعم إقليمي ودولي أم الذهاب لحكومة مسلحين عقائديين ستكون وبالاً على دول عدة في المنطقة.  

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة