المنع عين العطاء!

14/9/2018

هناك تلك اللحظات في الحياةِ؛ حيثُ يكونُ كلّ شيء غامضًا ومجهولًا. لحظاتٌ تكادُ تخلو من التفاصيلِ والأحداث.. تعيشها وأنت لا تعلم ما إنْ كانت ستُحدِثُ شَرْخًا في روحك، أم أنّها ستُغرِقُ ثناياها فَرَحًا. تشعرُ بحساسيّة تلك اللحظات.. لحظاتٌ حسّاسة وخَطِرة؛ وتلقائيًّا، تُصابُ أنت بالعدوى، فتصبحُ حسّاسُا خَطِرًا. أيّ خطوة، أيّ تفكير، أيّ جرأة لا تحسب لها ألف حساب، قد يتسبّبُ في تهميشك رويدًا رويدًا. لحظاتٌ شاقّة، تمزّقُ تفكيرك، وتخترقُ طُمأنينَتك، وتعزلك عن عالم كبير بأسرّه. لحظاتٌ تنْتَشِلُك من نفسك، لتربّيها وتروّضها على المشاقّ والصِعاب. لتصبحَ إنسانًا أقوى، وأنضج. ويكأنَّ هذه اللحظات تنتشل راحتك لِتمنحك راحةً أكبر. وتنتشل هدوءَك لِتصبحَ مليئًا بالسّكينة العميقة.


وفي لحظةٍ ما، عندما يبدو لك أنّها النهاية، ويبدأ صدرُك يضيق بكلّ نيّفٍ من الأًكسجين، ويبدأ الجلد بالانكماش. وأنَّ هناك تباطؤ في دقّات القلب، وأنّك قد بدأت تعاني من هدوءٍ مفرط بعد سلسلة من العصبيّة المفرطة. والعقل بدأ يتعبُ من التفكير، والتحليل. الرّوح بدأت تميلُ للسّكون والعزلة. الحياةُ بدأت تصير رتيبةً على نَحْوٍ مريح وخَطِر. عندما تبدو إنسانًا شاحبًا هزيلًا رَغْمَ شبابك؛ تبدو وكأنّك في السبعين من العمر، ويكأنّك تحمل هموم الدهر على عاتقكَ أيّها الإنسان، ويكأنّك استسلمت، حتّى وَقَعْتَ فريسةً بين هذه الهموم المتوحّشة. ويكأنَّ التعاسةَ لم تُصِب أحدًا غيرك، أو كأنّك ترى نفسك مركز الكون، وأنّك مختلف حتى في همومك.

إنّها للحظاتٌ شاقّة على النّفس، قلّما نمرّ بها.. لكن ما أشدّها وأقساها من لحظات. لا البكاء يُجدي نفعًا، ولا الصمودُ والثّبات. فالبكاء في مِثْلِ هذه اللحظات لَنْ يزيدكَ إلّا تعبًا وإرهاقًا، وكذلك صمودك وثباتك

قالَ مصطفى صادق الرّافعي في كتابهِ (المساكين): "أف لهذه الدنيا! يحبها من يخاف عليها.. ومتى خاف عليها خاف منها.. فهو يشقى بها ويشقى لها.. ومثل هذا لا يكاد يطالع وجه حادثةٍ من حوادث الدهر إلا خيّل إليه أن التعاسة قد تركت الناس جميعا وأقبلت عليه وحده". هذه النّهاية، واللانهاية. إنّها نهاياتٌ متتابعة، كلّما ظننتَ أنّكَ انتهيت، وانتهى كلُّ شيء. تُفاجَأ أنَّ كلَّ شيء يُعادُ ويُبْنى، لِينتهيَ مرةً أخرى. ثمّ ينتهي بعد ذلك مرّة ثالثة، ورابعة، ومرّات عديدة. والمَغزى نُدْركه حتمًا من عبارةٍ يتداولها النّاس؛ كان قد قالها أحمد بن عطاء الله السكندري: "ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك، ومتى فتح لك باب الفهم في المنع صار المنع عين العطاء".


لحظاتٌ ليست باللحظات. تريدُ لو تُمْحى من ذاكرتك، لكن لا سبيل للنسيان. إنّها ما يصنعك، وإنّها ما يصقلك، وإنّها ما يُنْضِجُك، وإنّها ما يُحْزِنُكَ تارّةً، ويُسْعِدُك تارّةُ أُخرى. إنّها ما يترك أثرًا عميقًا في نفسك، وفي آنٍ واحد، هي ما ينوّر بصيرتك. تلك اللحظات التي رَغْمَ قَسْوتها، تجعل منك إنسانًا خَيِّرًا، مُحِبًّا لنفسك ومُحِبًّا للآخرين. لحظاتٌ ثقيلة على قلبك، لكنّها جعلتك مُقدِّرًا لمعاني الحياة السّامية، علّمتك كيف تَحْيا حقًّا. أنارت بصيرتك على مبادئ قيّمة، ولفتت انتباهك إلى أماكن عميقةٍ في جانبَ آخر من العالَم. أثبَتَتْ لك تلك اللحظات أنّ جهة أخرى من العالم بحاجةٍ لك. أنّك قادر على البدْءِ من جديد في ركْنٍ آخر من هذا العالم البائس الجميل.


مواقف ومشاعر تعلّمك معنى الصَبْر، وأَنْ ترى في الحرمانِ عطاءً كبيرًا، وتَسْعَدُ كما لَوْ أنّك أُعطيتَ كلَّ شيء. يقولُ أحمد بن عطاء اللّه السكندريّ: "إنَّما يُؤلِمُكَ المَنْعُ لِعَدَمِ فَهْمِكَ عَنِ اللهِ فيهِ". لكننّا بحاجةٍ ماسّة إلى عدم الاستسلام، وعدم المكوث في القاعِ، إنّنا بحاجةٍ إلى إدراكِ قيمةِ أنفسنا، كم أنّنا أقوياء، وكم أنّنا مميّزون على مستوى جميع المعايير. وأنّه مهما بلغَتْ بِكَ الصِّعابُ؛ فإنّها هيّنة إذا ما نظرتَ لها نظرةَ تَحدٍّ. وسيتغيّرُ عالمُك -حتمًا- إذا ما غيّرت طريقةَ نظرك لهذا العالَم. إنّها للحظاتٌ شاقّة على النّفس، قلّما نمرّ بها.. لكن ما أشدّها وأقساها من لحظات. لا البكاء يُجدي نفعًا، ولا الصمودُ والثّبات. فالبكاء في مِثْلِ هذه اللحظات لَنْ يزيدكَ إلّا تعبًا وإرهاقًا، وكذلك صمودك وثباتك. أأصمدُ، أمْ تُراني عليَّ البكاء؟ أمْ ما رأيك بالعميق من الإيمانِ في قلوبنا؟

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة