هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟




عديل مالك
عديل مالك
1.6 k

فشل اكتتاب أرامكو.. هل باع بن سلمان الوهم للسعوديين؟

14/9/2018

توجد بضعة تحديات تشكل تهديدًا أكبر على المملكة العربية السعودية من الحاجة إلى إبعاد اقتصادها عن الاعتماد المفرط على النفط. تواجه البلاد حقيقتين مؤكدتين على الجبهتين الخارجية والمحلية على حدٍ سواء؛ تتمثلان في: التقلبات المفرطة لأسواق النفط وما يتبعها من عواقب على الميزانية الوطنية وعلى القوى العاملة الشابة والمتعلِّمة والتي تتزايد أعدادها (أكثر من 50% من السعوديين هم دون سن الخامسة والعشرين).

  

اعتادت المملكة العربية السعودية أن تشتري السِّلم الاجتماعي عن طريق توزيع الريوع والإيرادات على مواطنيها من خلال الرواتب، والإعانات، وغيرها من وسائل تحقيق الرعاية والرفاهية.  أصبح هذا الميثاق الاجتماعي هشًا ومحفوفًا بالمخاطر على نحو متزايد في خضم تقلبات إيرادات النفط وتزايد التزامات الإنفاق في الداخل.

   

هذا هو السياق الذي رُحب ضمنه بخطة "رؤية المملكة العربية السعودية 2030"؛ باعتبارها نية إصلاحية، تُشير إلى خطوة نحو التغيير، وتهدف للوصول إلى مستقبل ما بعد النفط. وكان أحد البنود الرئيسية في هذه الاستراتيجية هو الخصخصة الجزئية لشركة "أرامكو" السعودية من خلال طرح اكتتاب عام أولي (الاكتتاب العام الأوليّ هو نوعٌ من العرض العام تُعرض خلاله أسهم شركة ما إلى البيع على العامَّة للمرَّة الأولى في سوق الأوراق المالية) لحوالي 5% من حصتها في الأسواق العالمية. عندما قام الملك السعودي مؤخرًا بقطع الطريق أمام إدراج أرامكو في سوق الأسهم العالمية، بدأ المراقبون في التساؤل حول مصير التنوُّع.

   

  

هل ما زال هناك أملٌ في التنوُّع بعد سقوط أحد الركائز الأساسية في رؤية السعودية 2030؟ وهل ما زالت رؤية ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الكبيرة مجديةً وذات مصداقية؟

 

تنوُّعٌ دون طرح أسهم شركة "أرامكو" للاكتتاب العام

الإجابة المختصرة هي أنه لا يزال من السابق لأوانه شطب احتمالات التنوُّع في المملكة العربية السعودية. وبالمثل، أثبت التنوُّع أنه أحد تلك الأمور التي تمثل تحديًا، مع أو بدون الخصخصة الجزئية لشركة "أرامكو".

 

أولًا، على الرغم من إلغاء إدراج أرامكو في سوق الأسهم العالمية، لا تزال شركة النفط الوطنية تخطط لطرح سندات الدين من خلال استحواذها على حصة استراتيجية في شركة "سابك"، وهي شركة البتروكيماويات العملاقة التابعة للبلاد.

 

ومع مستويات الديون المتواضعة الخاصة بها في الوقت الحالي، يجب ألا تواجه المملكة العربية السعودية صعوبة تذكر في طرح الأموال عبر أسواق رأس المال. الفرق الوحيد هو أن النقود سوف تُطرح بطريقة ملتوية؛ من خلال السندات بدلًا من الأسهم.

 

ثانيًا، حتى لو كان إدراج "أرامكو" لا يزال مستمرًا، فلن يكون قادرًا وحده على حل تحدّي التنوُّع  في المملكة العربية السعودية. ففي حين أنه حجر الزاوية في رؤية السعودية 2030  -وبصرف النظر عن كل هذه الضجة حول الإعلان الأصلي- إلا أن إدراج "أرامكو" لا يُعدّ سوى استراتيجيةً لإدارة الثروات.

 

هذه بداية مفيدة بالفعل. لكن التنوُّع يمثل تحديًا إنمائيًا أكثر خطورةً وتعقيدًا عندما يتعلق الأمر بالدول المصدرة للنفط في الشرق الأوسط. ليس بمقدور الحلول السريعة أو الترتيبات المؤقتة الارتجالية إلا أن توفر استراحة مؤقتة؛ إذ إنها لا تُعد بديلًا عن الإصلاحات الاقتصادية الهيكلية.

 

ستحتاج المملكة العربية السعودية إلى رؤية إنمائية شاملة من أجل تنويع اقتصادها، رؤية تُقرّ بإمكانية الفصل الأساسي بين الاقتصاد والسياسة.

 

من غير المحتمل أن ينشأ التنوُّع عن مخططٍ تقنيّ يُقدمه مستشارون أجانب لامعون. حاولت البلاد لفترة طويلة إصلاح اقتصادها بطرق تُحيّد تأثير مثل هذا الإصلاح على السياسة. لكن المشكلة هي أن أيّ تحوّل حقيقيّ في الهيكل الاقتصادي للبلاد؛ سوف يؤدي إلى عواقبٍ سياسية، لا يرغب أي من الحكام  -أو المستشارين الذين وظفوهم- في مواجهتها.

 

على سبيل المثال، من أجل تطوير اقتصادٍ غير نفطي، سوف يتعين على النظام استيعاب إمكانية أن يوجد قطاع خاص مستقل بشكل حقيقي، والذي يستطيع خلق بؤر جديدة من النفوذ الاقتصادي، يمكن أن تمتد قوتها إلى داخل الميدان السياسي.

   

  

لأجل هذا السبب بالتحديد ترتاب الأنظمة الاستبدادية في الشرق الأوسط من الفاعلين الاقتصاديين الكِبار والذين يُمكنهم الشروع في نشاط سياسي. وهذا يعني أنَّ الأنظمة لا تتسامح إلا مع قطاعٍ خاصٍ مخلص وغير مستقل. وتدرك الشركات أنَّ مبدأ العمل القياسي اللازم لكي تستمر (وتزدهر) يتلخص في عقد شراكة مع شخصيات داخل النظام، سواءً أكان ذلك بشكل مباشر أو عن طريق وسطاء ومدبِّرين.

 

وفي اللحظة التي تصبح فيها شركةٌ ما ناجحة، أو تظهر مؤشرات على النمو، تتعرض هذه الشركة للضغط، فإما أن "تُباع أو أن تَدخل في شراكة" مع شخصيات ممثلة للنظام. وبالتالي تواجه الشركات خيارًا بين طريقين: أن تدخل في شراكة أو أن تنهار.

 

تختار الشركات، ضمن هذا السيناريو، أن تعمل دون أن يكون اسمها معروفًا، وتتجنب المواجهة المباشرة. وعندما تصبح العلاقات مع العائلة المالكة والمحيطين بها أكثر الأصول التي تحوزها الشركات قيمةً، فإنَّ الشركات الناشئة الصغيرة تمتلك آفاقًا ضعيفة في السوق.

 

التحديات التي تواجه نمو القطاع الخاص

من غير المفاجئ إذن أنَّ القطاع الخاص السعودي يهيمن عليه لاعبون كبار، أو شركات كبيرة مستقرة، تُمثل ببساطة واجهة لذوي النفوذ من أفراد العائلة الملكية. وغالبًا ما تكون هذه التكتلات الكبيرة المرتبطة هي المستفيدة من علاقات الدولة عن طريق عمليات الشراء الغامضة وإجراءات الترخيص غير الواضحة.

 

ومع احتوائها على واحد من أكبر قطاعات البناء في الشرق الأوسط، يمكن للملكة العربية السعودية أن تفتح الطريق أمام إمكاناتها الاقتصادية عن طريق القيام بإصلاح منهجي لهذا القطاع، والذي قد يتضمن مناقصات تنافسية حقيقية.

 

وتتمتع الشركات المرتبطة بالدولة بامتياز الوصول إلى أمرين أساسيين تحتاجهما الشركات الخاصة، وهي: الأراضي والائتمان. تواجه الشركات الصغيرة صعوبات كبيرة في الحصول على أراضٍ، بالأخص في الأماكن شبه الحضرية، حيث تميل العائلات ذات النفوذ إلى الحفاظ على قطع الأراضي فارغة وعاطلة عن العمل ترقبًا للحصول على مكاسب من رأس المال.

 

كانت مصادرة الأراضي من قبل أفراد من العائلة المالكة حتى وقت قريب أمرًا شائعًا. تُباع هذه الأراضي في بعض الأحيان إلى الحكومة مرةً أخرى من أجل تنفيذ مشاريع عامّة (منشآت ترفيهية وصحية وتعليمية، أو طرقات وجسور ومطارات وغيرها..)، ما يمنح شخصيات داخل النظام ربحًا سخيًا.

 

ومن المعروف عن سجلات الأراضي العامة أنَّها غير متطورة. وعندما يتعلق الأمر بالوصول إلى الائتمان المصرفي، تواجه الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم عوائق في طريقة سير النظام، فلا تتلقى سوى ما يقرب من 2% من إجمالي القروض.

      

  

تعني الصعوبات التي تواجهها هذه الشركات في ملكية الأراضي أنَّ هذه الشركات تفتقر إلى الضمانات الأساسية اللازمة لتأمين القروض المصرفية. وفي ظلِّ انعدام اليقين الناجم عن مشكلة النفط، والذي يؤثر على الإقراض المصرفي والقروض الكبيرة التي تُمنح لمقترضين قليلين ممن تجمعهم علاقات بالعائلة المالكة، ليس لدى البنوك التجارية سوى حيز صغير ودافع محدود لتقديم القروض المتوسطة للشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم، وهي من أكثر الفئات الاقتصادية التي تستحق الحصول على رأس المال هذا.

 

وكما لو أنَّ دخول السوق والاستمرار فيه لم يكن صعبًا بما فيه الكفاية، تجد الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم أنَّ خروجها من السوق صعب هو الآخر، إذ إنَّ الإيفاء بالديون أمرٌ شديد الصعوبة في السعودية. وفي هذا الأمر وحده، تحتل السعودية المركز 168 من أصل 189 دولة في تقرير ممارسة أنشطة الأعمال لعام 2018.

 

لا يبشر هذا بالخير لقوى الهدم الخلّاق التي تحدد المجال الديناميكي للشركة حيث يُمكن للشركات أن تدخل السوق وتنافس فيه وتخرج منه حسبما تمليه عليها المنافسة في السوق. وفي خضم هذه العوائق البنيوية، سيظل التنوع الاستثماري مجرد حلم.

 

سياسة تنويع الاقتصاد

إذا أرادت الحكومة السعودية تحقيق التنوع، فعليها أن تقدم إصلاحات جذرية تحفز المنافسة، وأن تجعل أسواق الأراضي أكثر شفافية، وأن تفك ارتباط الأسواق بالقبضة الخانقة للشركات والفاعلين المرتبطين بالنظام. ولكن أي إصلاحٍ من هذا النوع سوف يؤدي على الأرجح إلى حدوث عواقب سياسية خطيرة، إذ إنَّها سوف تقلل أو تحد من الريع الذي يساعد في الحفاظ على التعاون القائم بين النخب الملكية وشركائها التجاريين ذوي النفوذ.

 

أي أنَّ النقطة الأهم التي أريد أن أتحدث عنها هي أنَّ الانفتاح الاقتصادي الحقيقي سوف يؤدي إلى أن يصير لدينا رابحون وخاسرون. وضمن هذا السياق، لا يتعلق التنوع بخلق الرابحين الذين يمتلكون مصلحة ما في بيئة تجارية خضعت للإصلاح فقط، لكنَّه يتطلب أيضًا تعويض الخاسرين الذين يُمكن أن يفسدوا محاولات الإصلاح.

 

بدلًا من الاعتماد على الطرق السريعة التي تُحدث صخبًا، يحتاج صناع السياسة السعوديون إلى تبني استراتيجية بنّاءة ذات أساسٍ أكثر متانة للإصلاحات الاقتصادية التي تعترف بمركزية السياسة

حدث ذلك في شرقي آسيا عن طريق عقد صفقات مع المجموعات الساعية وراء الريع والتي يُمكن أن تشكل عقبة في طريقهم. وكما قال عالم الاقتصاد الشهير براناب باردهان فإنَّ هذه الصفقات، التي تدعمها الترتيبات المؤسسية، تهدف لمشاركة الربح مع من يُحتمل أن يشكلوا عائقًا.

 

مثل هذه الترتيبات موجودة -على سبيل المثال- في اليابان، حيث يُمنح بعض من الربح بشكل منهجي لأعضاء الحزب الليبرالي الديمقراطي الياباني الذين يُحتمل أن يكونوا عقبة في الطريق. وفي ماليزيا، أدخلت تكتلات الشركات الصينية أعضاءً بارزين من النخب السياسية الماليزية إلى مجالس إدارة الشركات.

 

وعند التفكير فيما سيحدث لو طُبِّق الأمر نفسه في السعودية، هل يُمكن للمرء أن يتخيل صفقة تجارية تُبقي على العائلات الحاكمة خارج العملية التجارية، في مقابل الحصول على مِنَح مَلَكية أكبر أو مكافآت عينية؟

 

ولكن تطبيق ذلك سوف يتطلب إدراكًا فعالًا ومستمرًا للتداعيات السياسية للإصلاح الاقتصادي، وإنشاء أساسات جديدة للمساومة يُمكن أن تُوازِن بين مصالح القائمين بالإصلاح والواقفين في طريقه، ودفع مسار النمو نحو الوصول إلى تَوازُن أكبر.

 

لو أنَّ التداعيات السياسية لإدراج أرامكو قد حدثت في وقت سابق، ولو أنَّ شراء الشركات من الداخل من قبل الفاعلين ذوي الصلة كان مؤمنًا سلفًا، لكان من الممكن تجنب الضربة المدمرة التي تلقتها مصداقية "رؤية السعودية 2030".

 

إذ بعد كل شيء، كان من الواضح منذ البداية أنَّ تقدير قيمة شركة أرامكو كان مفرطًا في التفاؤل، وأنَّ إدراج أرامكو في السوق العالمية يحتاج إفصاحًا أكثر شفافية، وتصريحًا أكبر بحسابات أرامكو، وهو الأمر الذي قد يواجه مقاومة سياسية. في النهاية، تفوقت السياسة على أي منطق اقتصادي كان يقف وراء الطرح الأولي المقترح للاكتتاب العام.

 

من الآن فصاعدًا، وبدلًا من الاعتماد على الطرق السريعة التي تُحدث صخبًا، يحتاج صناع السياسة السعوديون إلى تبني استراتيجية بنّاءة ذات أساسٍ أكثر متانة للإصلاحات الاقتصادية التي تعترف بمركزية السياسة.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة