مدلين أحمد
مدلين أحمد
566

ما المعاناة التي اخترت أن تُعانيها؟

14/9/2018

كتب الكاتب الأمريكي "مارك مانسون" مقالًا مُربكًا بعض الشيء، يتحدث به عن التساؤل الذي لا ننفك نسأله على أنفسنا: ما الذي نُريده في الحياة؟ وقال مُختصِرًا مُختزلًا الإجابات في جملةٍ واحدة "علاقة حب جيدة، تأسيس عائلة رائعة، عمل نحبه، استقرار مادي، وأن نكون سُعداء" وعّلق على هذه الإجابة بأنها لا تعني أي شيء! وأن هذه إجابة تليق بتساؤل آخر، عن الذي تُحبه مثلاً؛ لا الذي تُريده. كلنا نُحب كُل ما ذُكر، من السهل أن نُحبه، فالجميع قادر على أن يحب كل هذا! ولكن التساؤل الأهم والذي سيُحدد إجابتك أكثر هو: ما الذي تُريد أن تتألم لأجله، أن تُناضل للحصول عليه؟ 

الجميع يريد علاقة حب رائعة ومُبهرة؛ ولكن ليس الجميع على استعدادٍ لخوض المحادثات الصعبة، والصمت الغير مُفسر، ومشاعر الأذى والدراما النفسانية العاطفية للوصول إلى هناك. وعلى أساس ذلك؛ لا يحصلون على أي علاقة رائعة أو مُبهرة. والجميع -أيضًا- يتمنون استقرار مادي، ولكنهم لا يتحملون ساعات العمل الطويلة والعطلات القصيرة، والمدير حاد الطباع، ويتذمرون من الاستيقاظ صباحًا ومن أزمة الطريق ذهابًا وإيابًا من العمل الذي سيمنحهم الاستقرار المادي الذي يسعون له! 

الفكرة التي يُريد الكاتب إيقاظها بنا؛ هو أننا نُحب أن نَتَمنى ونطلب، ولكننا لسنا على استعداد اتخاذ الخطوات الخطرة أو المجازفات في بعض الأحيان التي قد تكون غير مضمونة، نُريد الشيء دون عناء، لذا -في غالب الأحيان- لا نحصل عليه. لأن السعادة تتطلب النضال والمعاناة بعض الشيء، يُمكنك أن تتجنب الآثار السلبية والمجازفات لكل ما تسعى إليه، ولكنها ستطفو على السطح عاجلاً أم آجلاً وعليك أن تكون مُستعدًا لدفع الثمن ومواجهتها، إن كُنت حقًا تسعى بمعني السعي، أما لو اخترت الانسحاب عند أول سلبي تواجهه فأنت لا تُريد هذا الشيء بالقدر الكافي الذي تعتقده.

نُريد المُكافأة دون النضال، نُريد النتيجة دون عملية، وكأننا في علاقة حُب مع النصر ولكن دون الخوض في المعركة، نضالاتنا تُحدد نجاحاتنا؛ لذا اختر نضالك بحكمة

التجارب الإيجابية ليست هي التي تُحدد حياتك؛ إنما تلك السلبية التي خُضتها لوحدك -والأمثلة كثيرة-. لا يتحدد النجاح بالذي تُريد أن تستمتع به، بل يتحدد بكل ألم صعب حافظت على وجوده وتجاوزته، فالتعامل مع الصعاب بشكل جيد هو في النهاية تعامل مع الحياة بشكل جيد، فطالما أنت تُريد الشيء فأنت تُريد أن تدفع ثمنه أيضًا مهما كان صَعبًا. ولنفترض أنك أردت الشيء شهرًا بعد شهر، وسنة بعد سنة ولكنك لا تحصل عليه، فرُبما أنت لا تُريده حقًا ولكنك تستمع بالرغبة في أن تُريد شيئًا مثاليًا لن تحصل عليه!

يقول الكاتب بأنه أحيانًا يطرح تساؤلًا مُختلفًا على الناس وهو: "ما المعاناة التي اخترت أن تُعانيها؟" ولكن ردود الفعل تكون مستهجنة السؤال في المقام الأول في كثير من الأحيان، ولكن هذا التساؤل -من وجهة نظر الكاتب- هو الذي يُفرق بين الذي تُرغب به وبين الخيال الذي يُرسم برأسك، فلا يمكنك في النهاية أن تحصل على حياة خالية من الألم. عليك أن تختار كيف تُعاني، وتستعد لذلك.

يُتابع الكاتب مُستعرضًا تجربة له ويحكي عن حلمه في فترة الشباب والمراهقة بأن يكون موسيقي، وأن أي أغنية كان يستمع لها كان يُغمض عينيه ليتخيل نفسه على خشبة المسرح والناس يصرخون ويفقدون صوابهم لدى رؤيته والاستماع له، يُضيف: "علي الرغم من تخيل هذا لأكثر من نصف حياتي، ولكن الواقع لم يأتِ. واستغرق الأمر وقتًا طويلًا مني والكثير من التجارب السلبية لمعرفه السبب في النهاية: لم أكن أريد ذلك في الواقع؛ لقد أحببتُ صورتي على خشبة المسرح، هتاف الناس، ولكني لم أحب يومًا كل التمارين والعملية بكل تفاصيلها، لقد استغرقت وقتًا طويلاً لاكتشاف أنني لم أحب تسلق جبل النجاح؛ أنا فقط أحب أن أتخيل القمة".

نُريد المُكافأة دون النضال، نُريد النتيجة دون عملية، وكأننا في علاقة حُب مع النصر ولكن دون الخوض في المعركة. وهذه ليست دعوة جديدة للإرادة وإنما الأمر هو أبسط عنصر من عناصر الحياة: نضالاتنا تُحدد نجاحاتنا؛ لذا اختر نضالك بحكمة.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة