عمر عاطف نوفل
عمر عاطف نوفل
266

هذه حقيقة سفر سيد قطب لأميركا

14/9/2018

من الأمور المهمة والتي لعبت دوراً كبيراً في حياة وفكر سيد قطب سفره إلى أمريكا في (3 نوفمبر 1948م)، من خلال بعثة تعليمية من قبل وزارة المعارف، تحت اسم «مهمة ميدانية» للاطلاع علي "المناهج وأصول التربية" وقد أثارت هذه البعثة الكثير من اللغط والنقاشات، ما بين قائل أن الرحلة كانت وليدة تخطيط مدبر من أجل مسخ فكر سيد قطب فكريا؛ لأن مقالاته كانت تزعج الملك وأعوانه، فأرادوا التخلص منه، وقد تبنى هذا الرأي غير واحد من الكُتَّاب والمفكرين وعلى رأس هؤلاء الدكتور "الطاهر مكي" والدكتور "صلاح الخالدي" أشهر من أرّخ لحياة سيد قطب في كتابه الشهير"سيد قطب من الميلاد إلى الاستشهاد" وبين قائل أن الأمر لا يعدو كونه بعثة لدراسة المناهج بحكم عمل سيد قطب في هذا المجال، ويأكد الخالدي في كتابه "أمريكا من الداخل بمنظار سيد قطب".


وبما أن سيد قطب مغضوب عليه من قبل القصر وبما أن الحكومة نفسها متضايقة من مقالاته وانتقاداته، لذلك فكرت في حل يرضي جميع الأطراف وكان يتمثل في إيفاده أو إبعاده إلى أمريكا. ولم يكن مقيدا في بعثته، أو مهمته، بجامعة معينة، ولم تكن مقيدة بزمن معين، وتركت له الحرية للاطلاع على مناهج الدراسة في مختلف الجامعات والمعاهد الأمريكية، وشملت جولته مختلف المدن هناك من "نيويورك" إلى "جريلي" و"وسان فرنسيسكو".

لكن القارئ لرحلة سيد قطب إلى "بلاد العم سام" وما تلاها من أحداث متتالية حدثت معه، يدرك منذ الوهلة الأولى أن الأمر أكبر من مقالات كان ينشرها في المجلات تفضح القصر، وتعرّي الفساد المنتشر وقتها. كان سيد قطب قبل سفره يتجه نحو الإسلام بشكل فردي ذاتي، وكان يدعوا إلى إقامة المجتمع على أساس الإسلام، وكانت مقالاته حماسية قوية، ترفض الوصاية الغربية والهيمنة على الوطن العربي، ولم يكن حينها سيد منتميا إلى جماعة إسلامية، أو حزبا سياسيا، لذلك اتجهت أنظار الغرب عبر عملائهم ومستشرقيهم في مصر إلى سيد، ليكون أحد أتباعهم كحال كثير من الكتّاب العرب والذين افتضح أمرهم بعد حين!

يحسم الباحث السعودي "علي العمم" الأمر بأن "هيوارث دَن" هو الذي دبر لسيد قطب المنحة أو الرحلة إلى الولايات المتحدة للاطلاع على التجربة الأميركية في الحرية والديمقراطية!

منذ أن صعد سيد قطب الباخرة كان محط أنظارهم، وهنا يتعرض لفتنة الإغواء الجنسي، وهي من الأساليب المتبعة للوقوع في شرك المخابرات، وقد اطلعنا سيد قطب على بعض الوسائل الأمريكية لإغوائه قائلا: "ما أن دخلتُ الغرفة، حتى كان الباب يقرع، وفتْحتُ، فإذا أنا بفتاةٍ هيفاء جميلة، فارعةِ الطول، شبه عارية، يبدو من مفاتن جسمها كل ما يغري. وبدأتني بالإنجليزية: هل يسمح لي سيدي بأن أكون ضيفةً عليه هذه الليلة؟ فاعتذرتُ بأن الغرفة معدَّة لسرير واحد، وكذا السريرُ لشخص واحد! فقالت: وكثيرا ما يتَّسع السرير الواحد لشخصيْن! واضطررْتُ أمام وقاحتِها، ومحاولة الدخول عنوة، لأن أدفع الباب في وجهها، لتصبح خارج الغرفة، وسمعتُ ارتطامها بالأرضِ الخشبيِة في الممر، فقد كانتْ مخمورة".

بعد نجاحه في الابتلاء الأول قال: "الحمد لله. هذا أول ابتلاء. وشعرت باعتزاز ونشوة إذ انتصرت على نفسي! وبدأت تسير في الطريق الذي رسمته لها. هذه الفتاة كانت الوسيلة الأولى في الخطة الأمريكية لاحتوائه. ومن الناحية السياسية ؛فقد أخبرنا سيد قطب عن نماذج من التنافس بين رجال المخابرات الإنجليزية، والأمريكية لتجنيده، وخرج من تلك المحاولات كلها سليما ملتزما بإسلامه. "هيوارث دَن" إنه المستشرق البريطاني ورجل الاستخبارات، الذي كان قد جاء إلى مصر في الثلاثينات، ودرّس اللغة الإنجليزية في المدارس المصرية، واعتنق الإسلام، وتزوج امرأة مصرية، وتعاون في الأربعينات مع المخابرات، فأقام من أجل ذلك علاقات مع الشخصيات، والجماعات المصرية الإسلامية، والوطنية والفكرية.


ويحسم الباحث السعودي "علي العمم" الأمر بأن "هيوارث دَن" هو الذي دبر لسيد قطب المنحة أو الرحلة إلى الولايات المتحدة للاطلاع على التجربة الأميركية في الحرية والديمقراطية! ودليله على ذلك أن "دَن" وصل إلى الولايات المتحدة وقت وصول سيد قطب إليها، وهناك أطلعه قطب على كتابه: "العدالة الاجتماعية". وقد عرض عليه أن يترجم له كتابه "العدالة الاجتماعية في الإسلام" مقابل "عشرة آلاف دولار!" لكن سيد رفص العرض وأعطى الكتاب إلى المجلس الأمريكي للدراسات الاجتماعية ليترجم مجانا ووفق خبر نشر في مجلة (الرسالة) سنة 1951م، هذا نصه: "قرر المجلس الأمريكي للدراسات الاجتماعية ترجمة كتاب (العدالة الاجتماعية في الإسلام) للأستاذ سيد قطب، إلى اللغة الإنجليزية، ونشره في أمريكا للتعريف بسياسة الإسلام الاجتماعية، وسيقوم بترجمته المستشرق (جون ب. هاردي) الأستاذ بجامعة هاليفاكس بكندا".

حتى بعد عودة سيد قطب إلى مصر، لم تتوقف الإغراءات بكافة السبل من أجل احتوائه، وهنا تجدني مُطّر أن أضع هذه الحادثة التي رآها، وكان شاهداً عليها الأديب الحجازي المعروف "أحمد عبد الغفور عطار" قال: "اتصل بي سيد قطب تلفونيا ذات يوم،  وطلب مني أن آتي إلى منزله سريعا. وطلب مني باستحياء أن أُحضر معي بضعة عشر جنيها قرضا، ليشتري بها دواء، وهو مريض ولا يملك ثمن الدواء!

عاد سيد قطب من الولايات المتحدة الأمريكية ملتزما بإسلامه أكثر، وفاضحا السياسة الأمريكية للهيمنة والسيطرة على مصر عبر عملاؤها الذين يقومون بدورها في تحقيق أهدافها

ناشطون
 

فذهبت إلى المنزل سريعا ومعي المبلغ المطلوب.. ولما دخلت غرفة الاستقبال رأيتُ مشهدا عجيبا أقسمُ لقد دهشت مما رأيت كان يجلس في الغرفة، موظف دبلوماسي في سفارة عربية بترولية، وأمامه حقيبة مليئة بالأوراق المالية من مختلف الأرقام والفئات، تبلغ في مجموعها عدة آلافٍ من الجنيهات! وهو يرجو سيد بإلحاحٍ ورجاءٍ وحرارةٍ أن يأخذ الحقيبة، كي يستعين بها على أعباء حياته، وتمويل مشروعاته الأدبية والفكرية، فنظرت إلى سيد قطب الذي كان جالسا مريضا، فإذا به حزين. ثم رد هدية الرجل بحزم، وبدا عليه الغضب والحدة، وهو يخاطبه قائلا: إنني لا أبيع نفسي وفكري بأموال الدنيا، فأعد أموالك إلى حقيبتك! ثم التفت سيد إلى، وقال لي: هل أحضرت ما طلبته منك؟ فقلت له: نعم، وناولته المبلغ وأنا في غاية الدهشة والاستغراب والانفعال!


لم تكن البعثة كما يتصور البعض من أجل دراسة المناهج، كان الأمر في حقيقته جعل سيد قطب بوقا لهم بعد أن يتم تدجينه فكريا، وثقافيا، وسياسيا، ويقف في وجهة الحركة الإسلامية، والتي أدركت مصر خطورتها وهذا ما أوضحه المستشرق دان في كتابه الخطير: "التيارات السياسية والدينية في مصر الحديثة" وقد حدث "دن" سيد أكثر من مرة عن أحداث مصر السياسية، والاجتماعية، وعن المخاطر التي تنتظرها في المستقبل وأخذت "جماعة الإخوان المسلمين" حيزا كبيرا من حديثة، حيث قدم لسيد كما أورد في كتابه معلومات مفصلة ودقيقة عن الجماعة، وأهدافها، ونشاطاتها، وبرامجها، وقد حذر سيد من الخطر الذي يهدد مصر إذا نجحت الجماعة في قيادتها وحكمها، وأظهر لسيد أن الأمل معقود على المثقفين، والمفكرين! ليحولوا بين هذه الجماعة، والوصول إلى الحكم، لذلك أرادوا احتواءه ليعود بوقا أمريكيا، وأحد عملاءها! باعتباره في مقدمة رجال الفكر، والأدب، والنقد، في مصر.

لكن كل المحاولات باءت بالفشل، وعاد سيد قطب ملتزما بإسلامه أكثر، وفاضحا السياسة الأمريكية للهيمنة والسيطرة على مصر عبر عملاؤها الذين يقومون بدورها في تحقيق أهدافها، وقد كان باستطاعة أن ينفذ أمرهم، ويبيع دينه ومبادئه بعرض من الدنيا قليل ما؛ لكنه أبى ورفض وقدم عنقه في سبيل ذلك، وهو القائل: "من الصعب علىَّ أن أتصور كيف يمكن أن نصل إلى غاية نبيلة باستخدام وسيلة خسيسة!؟ إن الغاية النبيلة لا تحيا إلا في قلب نبيل: فكيف لذلك القلب أن يطيق استخدام وسيلة هو خسيسة؟".

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة