هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟




عمر عاطف نوفل
عمر عاطف نوفل
518

الرحمة أعظم من الحب.. رفقا بأصحاب الأرواح المتعبة!

22/9/2018

"فلا مَثُوبَة يقدمها المرء بين يدى ربه يوم جزائه أفضل من مواساة البائس وتفريج كربة المكروب"

- مصطفى المنفلوطي 

 

هل ثمة متعة أكثر من أن تُدخل السعادة، والحب، والرضى في قلوب الناس، أن تخفف عن كواهلهم آلامهم وأحزانهم، وأن تأخذ بقلوبهم المنكسرة إلى السكينة والطمأنينة، أن تشعرهم أن هناك من يهتم بِهم، يحزنُ لحزنهم، ويفرحُ لفرحهم، حينها ستشعر بمتعة ولذة لا تدانيها أي متعة. قد لا يتطلب الأمر منك سوى ابتسامة في وجه بائس، أو وردة في يدي عاشق منكسر الفؤاد، أو قْبُلة تطبعها على وجه طفْلٍ فقد أحد والديه. أشياء بسيطة بيد أنها تضفي على النفس مزيداً من السعادة الروحية؛ أن تكون سبباً في سعادة إنسان في لحظة انكساره. ما نحن في حقيقة الأمر إلا كتلة من المشاعر والأحاسيس تجعلُ منّا بشراً، نشعر بما يدور حولنا، ونتأثر بما يوجع أعيُننا، وأرواحنا، بدون هذه المشاعر نصل إلى مستوى "الجمادات"! وكما يقول مولانا جلال الدين الرومي: "نحن من طين، يوجعنا الأذى، يجرحنا صغير الشوك، يجبرنا لطف الله".

فإذا مررت أمام طفلٍ يبكي فلا تغادره دون أن تضحكه، وإذا رأيت عصفور مهيض الجناح لا تحاول الإمساك به؛ فيكفيه هماً أنه على وشك فقدان غريزة التحليق بجناحيه، وعندما ترى وردة على وشك الأفول، وذوبان وهجها، اسقها وردّ الروح فيها فقد تكون نصيب رجل مكسور القلب فنظر إليها فأعادت له بريق أمل، وإذا رأيت شيخاً هرماً احدودب ظهره، ورق عظمه، فتذكر أنه يحمل فوق ظهره من هموم الحياة سنين متراكمة؛ فكل تجعيدة في قسمات وجهه تُعطيك موقفاً، وقصة، وﺇﺫﺍ ﺭﺃﻳﺖ أُمِّكَ فتذكر يوم كنت طفلاً صغيراً لا تقدر على شيء، فكانت تهدهدك، وتأخذكَ إلى صدرها المثقل بالحنين والحب.

قال ابن يعقوب:


إن كنتَ ترجو مِن الرحمنِ رحمتَه
فارحمْ ضعافَ الورَى يا صاحِ محترمًا
واقصدْ بذلك وجهَ اللهِ خالقِنا
سبحانَه مِن إلهٍ قد برى النَّسما
واطلبْ جزا ذاك مِن مولاك رحمتَه
فإنَّما يرحمُ الرحمنُ مَن رحِم


أسوأ ما يصيب الإنسان؛ أن يكون جسداً بلا روح، وعيون بلا دموع، وقلب بلا رحمة، وموسر دون معطي. معنى ذلك أن تفقد إنسانيتك وهي الإحساس بالآخرين

هذا العالم قائم على الرحمة والحب؛ وإلاّ لما تأثرت بطفل يبكي، وما أشفقت على ذلك العجوز الهرم، وما رق قلبك لذلك العصفور المسكين، وما أحببت أمك حبّاً لا تستطيع أقلام الأدباء والشعراء أن يعطوا ولو انطباعاً من نظرة أمٍ إلى طفلها وهى تلقمه ثديها! نحن دون هذا القلب المفعم بالرحمة، والحب، والإحساس بالآخرين فناء في فناء. يقول الدكتور مصطفى محمود في كتاب "عصر القرود": "الرحمة أعمق من الحب وأصفى وأطهر، والرحمة عاطفة إنسانية راقية مركبة، ففيها الحب، وفيها التضحية، وفيها إنكار الذات، وفيها التسامح، وفيها العطف، وفيها العفو، وفيها الكرم.. وكلنا قادرون على الحب بحكم الجبلة البشرية وقليل منا هم القادرون على الرحمة".

هل تذكر يوم كنت طفلاً صغيراً؛ وصفعك أحدهم على وجهك، فأنت إلى الآن لم تنسى هذه الصفعة وتنظر دائماً في المرآة لترى هل لها أثر، فكيف بمن صفعتهم الحياة مراراً؛ هل ستكون أنتَ والحياة عليهم. تذكر جيداً أنَّ الدنيا لا تدوم لأحد، وأنَّ الأيام حبلى بما تخبئه لنا، لذلك كن دائماً القدر الذي انتشل روحاً بائسة كانت على وشك السقوط. قال ابن عباس: "إن لله عباداً يستريح الناس إليهم في قضاء حوائجهم وإدخال السرور عليهم أولئك هم الآمنون من عذاب يوم القيامة". وقال الضحاك في قوله في قصة يوسف (إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) كان إحسانه إذا مرض رجل بالسجن قام عليه، وإذا ضاق عليه المكان وسع له، وإذا احتاج إلى جمع مال سأل له.

إن أسوأ ما يصيب الإنسان؛ أن يكون جسداً بلا روح، وعيون بلا دموع، وقلب بلا رحمة، وموسر دون معطي. معنى ذلك أن تفقد إنسانيتك وهي الإحساس بالآخرين، يا لها من راحة وسعادة لا تقدر بثمن يوم تعطي فقيراً يطرق بابك، أو حزيناً أدخلت الفرح إلى قلبه، أو سائلًا لم ترد طلبه، تخيل وأنت تراه يَمُدُّ يديه إلى السماء يدعو لك ما مدى السعادة والحبور التي ستملأ قلبك. والله إنها سعادة غامرة لا يَعدِلها شيء أبدًاوكان عبد الله بن عثمان - شيخ البخاري - يقول: "ما سألني أحدٌ حاجة إلا قمت له بنفسي فإن تم وإلا استعنت له بالسلطان".

كن رحيماً وعطوفاً مع البؤساء، والحزانى أصحاب الأرواح المتعبة، والأجساد المنهكة، والوجوه البائسة، والعيون الشاردة، والأفئدة المظلمة، والأجنحة الكسيرة، الذين لا يلتفت إليهم إلا القليل

مواقع التواصل
 

وما أروع وأجمل تعبير الشهيد سيد قطب في كتابه "أفراح الروح" إذ يقول: "عرفت، أنه لا شيء في هذه الحياة يعدل ذلك الفرح الروحي الشفيف الذي نجده، عندما نستطيع أن نُدخِلَ العزاء أو الرضى، الثقة أو الأمل أو الفرح، إلى نفوس الآخرين. إنها لذة سماوية عجيبة، ليست في شيء من هذه الأرض، إننا نعيش لأنفسنا حياة مضاعفة، حينما نعيش للآخرين، وبقدر ما نضاعف إحساسنا بالآخرين، نضاعف إحساسنا بحياتنا، ونضاعف هذه الحياة ذاتها في النهاية".

لا تعش في هذه الحياة على حافة الطريق، وتكون رقماً بلا قيمة، حاول أن تصنع من نفِسك إنساناً مُثمراً؛ وأن تقدم شيئاً حتى لو كان بنظرك غيَر ذي قيمة، المهم ألا تقف متفرجًا في مسرح الحياة، تأتي وتغادر دون أن يشعر بكَ أحد، وإن كان أقلها أن تكون مبتسمًا حتى تُعطي الأمل والبهجة لمن يراك. وفي صحيح مسلم "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نفَّس عن مؤمن كربة نفَّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسّر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة والله في عون العبد مادام العبد في عون أخيه".

كن رحيماً وعطوفاً مع البؤساء، والحزانى أصحاب الأرواح المتعبة، والأجساد المنهكة، والوجوه البائسة، والعيون الشاردة، والأفئدة المظلمة، والأجنحة الكسيرة، الذين لا يلتفت إليهم إلا القليل، ومن هذا القليل صفوة القلوب الرحيمة؛ الذين امتلأت قلوبهم بالرحمة والحب، تراهم يضمدون الجرح، وينثرون الأمل، ويزرعون البسمة، لذلك لا تكسر قلب إنسانٍ مقهور، أو محزون، أو فقيراً معدماً، لتأتي أنت وتقضي عليه بكلمة جارحة، أو نظرة وضيعة، أو استخفاف به، كن له البلسم الشافي الذي يَنْشُله من عالمه البائس المحزون، لكن قمة العطاء، والذوق، والإحساس تتمثل في من يُعطي من لا يسألك؛ وأنت تعرف حاجته.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة