مجاهد أحمد
مجاهد أحمد
85

العزلة.. الملاذ الأخير!

24/9/2018

صديقي.. وإن كنا قد نجونا بأعجوبة من عناصر التقليم الثقافي والتسطيح المعرفي إلا أننا أصبحنا وكأننا بقية من أسلاف انقرضت، وتركتنا وحدنا في واقع لم ينجح في تغيرنا، ولم ننجح نحن لا في تغييره، ولا حتى في التأقلم مع عبثه وفوضاه، ظللنا هكذا في أكثر الأماكن بؤساً على الإطلاق.. المنتصف.. لا ننتمي لأي معسكر، كبقع زيت طافية على الماء تخالطه ولا تختلط به، ولأن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه وغريزته، تجنح أجزاء من بشريتنا إلى مخالطة الناس وتقبل الواقع كما هو، بينما تجنح عقلانيتنا وأجزائنا الواعية لرفض ذلك.

 

تعرف يا صديقي إن شعور "اللاانتماء" ربما هو أسوأ ما يمكن أن يختبره المرء خلال حياته، أن تستوحش من الجميع، من واقعك، مجتمعك بل وحتى زمانك.. تنغلق على روحك، تغرق في تفاصيلك الخاصة، تحلل ذاتك وتنكفأ عليها.. ليس حباً في العزلة إنما هرباً من وحشة المحيط البائس الذي لا يشبهك، هروب قد يُرى من البعيد وكأنه جبن، لكنه في حقيقته ليس إلا تعب روحي، ويأس عميق من الجميع.

 

أستغرب كثيراً عندما أرى البشر "العاديين" بنسخهم المتطابقة وكأنهم خرجوا من خط تصنيع معلبات مشترك.. لعلك أيضاً تستغرب وأنت تراهم يعيشون أوهامهم الشخصية بسعادة، وأنت تتجرع كأس الحقيقة ببؤس، وتتساءل بحرقة كيف لكائن بشري منحة الله عقلاً فريداً وقلباً نابضاً، كيف له أن يرضى بأحلام معلبة، ومعايير حياة موضوعة سلفاً ودروب مرصوفة له من قبل آخرين فرضوا عليه أن يقطعها بابتسامة خشبية، وسعادة متوهمة يخدع بها نفسه بأنه حقاً يفعل ما يريد.

 

لا تصدقوا من يقول لكم بأنه يجد متعته في الوحدة، فالعزلة وسيلة تعذيب، ولولا ذلك لما أخترع البشر السجون الانفرادية.. أماكن تجردك من الآخرين وتضعك أمام ذاتك وحيداً وجهاً لوجه

آه.. هذا كله جانب ومحاولة إبهار الآخرين شيء أخر.. تملق المجتمع والرغبة المفرطة في الظهور والاشتهار بشتى الطرق والأساليب المشروعة منها وغير المشروعة، من أجلها يستبدل المرء ملامحه في السوق السوداء، ويبيع ذاته في أسواق النخاسة وبأثمان بخسة للغاية. حينها تمعن النظر في هذا الكوكب البائس، بسمائه العالية وأرضه الممتدة لتجده على اتساعه قد ضاق عليك، ولفظك بعيداً عنه بعد أن لم يقدر على ابتلاعك، وأنت بدورك لم تعد تقوى على تغيير أحد، ما تبقى لك من طاقة تدخرها لنفسك، تحصن بها ذاتك جيّداً مخافة يغيرك العالم.  

 

في وحشتك من العالم تجد الوحدة محتملة.. ومسلية على غير العادة، بل وتصير في عينيك ملاذاً آمناً وصدراً دافئاً تفر إليه من الناس.. تردد حينها بتأدة "الجحيم هم الآخرين" وتدرك أخيراً مدى عمق كلمات بليز باسكال حين قال: "إن كل مشاكل العالم تنبع من فشل الإنسان في المكوث في حجرته بصمت". كون أن الإنسان كائن اجتماعي هذه الحقيقة لا يمكن أن نتجاهلها بأي حال من الأحوال، ومن هذا المنطلق لا يمكن للعزلة أن تكون مريحة، لأن جزء منك سيبقى دائماً وأبداً يحن إلى الجماعة، مهما تمرست ذاتك على الانعزال عن الناس واعتزال العالم.

 

لذا لا تصدقوا من يقول لكم بأنه يجد متعته في الوحدة، العزلة وسيلة تعذيب أيها السادة، ولولا ذلك لما أخترع البشر السجون الانفرادية.. أماكن تجردك من الآخرين وتضعك أمام ذاتك وحيداً وجهاً لوجه.. لكننا إذ نختار الوحدة نفعل ذلك مضطرين ومجبرين، بعد أن نفذت كل الخيارات الأخرى، نختارها لنحمي بها دواخلنا من همجية الآخرين.. نفضلها كـ ملاذ أخير.. سجن وإن كان ضيقاً إلا أنه يوفر الآمان لساكنيه.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة