هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟




مجاهد أحمد
مجاهد أحمد
235

الحقيقة لا تفسد للود قضية!

3/9/2018

لا أعتقد أن أحداً من البشر العقلاء على هذا الكوكب البائس يترك مهمة تقيّم ذاته بكلياتها على عاتق الآخرين، مهما كان – هؤلاء الآخرين -  ثقاتاً أو حكماء.. إنما العاقل هو من يقيم ذاته بنفسه، ويحاسبها وفقاً لذلك بنفسه، ومن ثم يصحح لها المسار إن هي حادت عنه.. بهذه الفلسفة يكون المرء آمناً من الآخرين، من أحكامهم المسبقة، ونقدهم الهدّام..! يستأنس بآرائهم ويتقبل نصائحهم ونقدهم البناء، ويستعين بهم أحياناً في تِبني وجهته ومساره في الحياة. لا بأس من هذا المنطلق أن نطلب النصيحة بين حين وآخر، لا مشكلة في أن نطلب من أحد الأصدقاء الذين نثق في حكمهم أن يمد لنا يد العون – ويساعدنا في تقيّم المسار وضبط الوجهة حال شعورنا بالضياع والارتباك.

 

"لا خير في قوم ليسوا بناصحين".. هكذا يقول عمر بن الخطاب وكأن من واجبات الصداقة ولوازم المحبة، أن تهرول خلف من تحب وتقف أمامه لتنبهه إذ تراه حاد عن وجهته..! لكن واقع الحال اليوم يشي بغير ذلك.. إذ أننا نعاني من مشكلة حقيقية في تقبل نصائح الأخرين، دائماً ما نتخذ وضعاً دفاعياً تجاه النصائح، ونُهيأ أنفسنا بعدها مباشرة للانقضاض على الناصح ورد نصيحته بأخرى، وكأنها سبة أو شتيمة..! ربما لأننا تعودنا على فكرة الواعظ.. ذلك الذي يتخذ من النصيحة مطيةً لفرض وصايته على الأخرين، والتسلط على حياتهم، لهذا ربما صرنا أكثر توجساً من النصائح، وأكثر نفوراً من الناصحين، لعل خطب الجمعة البائسة في كل أسبوع خير دليل على ذلك.. صحيح أن جزء كبير من بؤس هذه الخطب سببه الخطباء أنفسهم، وبعدهم عن الواقع، لكن أيضاً جزء لا بأس به سببه نحن، وعدم استعدادنا أصلاً للاستماع إلى نصائح..!

 

ينبغي أن نتوقف فوراً عن تعقيد الحياة، أن نتوقف عن تحميل النصائح أكثر مما تحمله مضامينها.. أن نؤمن بأننا بشر لنا أخطاء قد لا ننتبه لها بأنفسنا، وإنما بحاجة إلى مرايا عاكسة حتى نراها

نخاف أكثر مما يجب من الآخرين ونظرتهم تجاهنا، ونخشى أن نكتشف فجأة أن لهؤلاء الآخرين فكرة عنا مغايرة عن تلك التي رسمناها في مخيِّلتنا.. نخشى أن نكتشف ذلك فنصادر منهم كل فرصة للتعبير وتوجيه النقد أو النصيحة إلينا، مهما بلغت درجة القرابة بيننا. ثم أما بعد.. ولأننا لم نعد نتقبل النصائح، وفي ظل عصر الأقنعة الملونة، كان لا بد وأن يتحول حتى إسداء النصائح لمن يطلبها من أحباء لنا وأصدقاء.. أن يتحول إلى جريمة توجب أن نخفي أسمائنا ونرتدي لأجلها أقنعة إلكترونية.. تنوع العقل البشري وأبدعت الرأسمالية في استغلال جبننا، وخوفنا من قول الحقائق.. فاخترعت "صراحة".. وغيرها من الطرق والأساليب لنستتر وراءها، ونهمس بالحقيقة بصوت خائف وشفاه مرتعشة.

 

الحقيقة مهما بلغ جمالها، أو بلغت قسوتها إلا أنها ليست جريمة بأي حال من الأحوال، حتى نستتر خلف كل هذه الأقنعة فقط لننطق بها في وجه أشخاص يفترض بهم أنهم أصدقاء لنا وأحباء..! لماذا نخفي عنهم أسمائنا وهوياتنا الحقيقية ّ! هل حقاً أنت بحاجة إلى كل هذا الغموض، والتخفي.. فقط لتقول لصديق تحبه أنك تحبه، أو لآخر أخطأ لتقول له: لقد أخطأت يا صديقي؟! هم ليسوا الحكومة يا جماعة حتى نخشى أن يزجوا بنا في معتقلات أو سجون..! هم أيضاً ليسوا بتلك القسوة ليتركونا في العراء ويقطعوا أواصر المحبة.. الحقيقة لا يجب أن تفسد للود قضية..! وإن حدث وأفسدته فإنه لم يكن وداً صادقاً في الأساس.

 

قبل مدة ليست بالبعيدة استخدمت إحدى هذه الوسائل، وطلبت من الأصدقاء مصارحتي بشفافية، عاتبني بشدة أحد الأصدقاء، حينها أجبته بأنني لا أعيش في الغابة، ولا في صحراء الربع الخالي إنما على هذه الأرض محاطاً بكائنات بشرية أخرى.. ترتدي الأقنعة مضطرة ربما، تخاف الحقيقة، ولن تنطق بها مهما تحصلت مني على ضمانات بأن الحقيقة لن تفسد للود قضية.. لذا يضطر المرء أحياناً أن يقبل بأمور ليس مقتنعاً بها بالضرورة.. حتى يتمكن من التعايش مع الآخرين، وحتى يتمكن من الحصول على الحقيقة.

 

إنما الصواب الذي ينبغي أن يحدث: أن نتوقف فوراً عن تعقيد الحياة، أن نتوقف عن تحميل النصائح أكثر مما تحمله مضامينها.. أن نؤمن بأننا بشر لنا أخطاء قد لا ننتبه لها بأنفسنا، وإنما بحاجة إلى مرايا عاكسة حتى نراها.. بحاجة إلى نصائح بين حين وآخر.. بحاجة لمن يقول لنا الحقيقة مهما كانت غير مريحة وقاسية..! وقبل كل ذلك أن نتحلى بالشجاعة لمصارحة الأصدقاء دونما وقاحة أو وصاية، وأن نؤمن بأن الحقيقة لا يجب أن تفسد للود قضية.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة