فاطمة الزهراء مصر
فاطمة الزهراء مصر
242

لا حياة بلا ألم!

3/9/2018

هناك توهم نفسي غريزي لدينا وهو اعتقادنا أننا أتينا إلى هذه الدنيا لنكون سعداء، ولكن طوال حياتنا نعاني من الذكريات الأليمة، فإذا بنا نبتلى في أنفسنا وفي معارفنا وفي مالنا، ونذوق كل ألوان الألم، رغم كل ذلك لا نملك أن نجعل أنفسنا تعتقد بأن هذه الدنيا عالم الآلام والهموم، دائماً ما نقول بيننا وبين أنفسنا "كلا ثم كلا لا ينبغي أن تصيبني هذه الحوادث ولن أستطيع ان أتحملها" ولكن ما يحدث هو العكس فنحن نعيش حياتنا ونحن في قلب الآلام والهموم، ومع أننا كثيراً ما نشعر بخيبة الأمل، واللوم على أنفسنا مرات لا تعد ولا تحصى، إلا أننا نتجاوز كل ذلك، ومرة أخرى نعود إلى الآلام والهموم أضعاف ما عشناه، ولكن في كل مرة لا نريد الإقرار بالبلاء.

(مهما تخدع نفسك فلا حياة بلا ألم) اجعل هذه هي قاعدتك الأولى دائما، فكما قال الله في الآية الكريمة "وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ" فتُبتَلى بأولادك أو تُبتَلى بزوجتك أو تُبتَلى بزوجك الذي تحب حباً جماً، وقد يكون البلاء في أموالك أو بضائعك التي تستنزف روحك في تجميعها ليل نهار، وقد يكون البلاء في صحتك، فقد كنت تقول بالأمس (أنا بصحة جيدة) ولكن اليوم أنت مريض، وكذا وكذا.. هل يوجد في العالم أحد بلا ألم يشغل رأسه؟! ما أجمل اجابة سعدي الشيرازي حين قال: (لا يوجد في العالم إنسان بلا ألم وإن وجد فهو ليس إنسان) في كل رأس فكرة تشغله وعلى كل سن ألف فكرة، لا تخلو ناحية ولا زاوية ولا بيتاً من الألم! يأتي عليك أوقات تتكدر فيها روحك أليس كذاك؟ وعندها تظن أن العالم كله سعيد إلا أنت، وأن جميع المشاكل والهموم قد أصابتك، وكأن العالم كله قد انقض فوق رأسك، حتى إنك تظن أن روحك خرجت إلى عالم الهموم! هنا تتجلى الإنسانية ويتضح إننا متميزون عن المخلوقات الأخرى بل إننا منفردون! الإنسان عجين من المشاكل والهموم، عندما نريد أن نخبز العجين نعجنه أولاً ثم ننتظر ليخمر، كذلك الإنسان لا يعرف حالة عجينه أي (طبعه) إلا عندما تصبه المشاكل والهموم.. فهل يستوي المخبوز والنيء؟! كل مشكلة تمر على الإنسان تجعله أكثر نضجاً ويعتاد عليها كلما زادت فيستطيع التعايش معها إضراراً، فيصبح أكثر نضجاً وأكثر قدرة على التحمل وأكثر عطفاً على الآخرين وأكثر تسامحاً معهم وإلخ..


هل تعلم؟ في بيولوجيا الإنسان شأن مثير للاهتمام، عندما نتعرض لأي هم أو غم أو ألم، فإنْ هذه المشكلة لا تصيبنا بمرض الاكتئاب ولا تميتنا بل إن هذه المشكلات والآلام تربينا وتنمينا، فعلى سبيل المثال مجاعة متزنة تصلح جسدنا وتنشّط الآليات التصالحية للجسم أو المشكلات التي ترهق دماغنا فتسبب تطور دماغنا أكثر وينتج الخلايا الجديدة للمخ. على سبيل المثال عندما نصاب بأي مرض أو يدخل في جسدنا أي جرثوم أو فيروس، يعرف نظام المناعة هذا الجرثوم أو الفيروس ويكتسب الخبرة ضدها، ونحن بعد ذلك نشفى من المرض ونكون أقوى ونظام المناعة لجسمنا يكون أكثر يقظة. كل هذه الأمثلة في واقع الأمر تثبتنا شيئاً بسيطاً جداً، لقد جئنا إلى هذا العالم للاشتغال مع المتاعب بالصعوبات وحتى المستحيل، نحن لسنا من المخلوقات المصممة لحالات خالية من المتاعب وخاصة الإنسان، فهو لم يأتي إلى هذه الدنيا كي يتعرض للمتاعب وللهموم وللغموم فحسب، بل هو أتى إليها ليعيش حياته بأكثر إنتاجية وأكثر نشاطاً وأكثر حيوية. لكن عليه ان يعرف أن كل هذه المشاكل زائلة وليست باقية أبداً، كما وعد الله تعالى في قوله "إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا" نعم إن مع العسر يسرى، الله تعالى يعطى الإنسان يسرين معاً بعد العسر، فعندما ترى مشاكلك التي أتعبتك وأحزنتك كثيراً تحولت إلى يسر وسعادة تشعر حينها أنك حزنت عبثاً..

لا تحبس نفسك في الظلام وسط الهموم، اعلم أن اللّيل يعقبه نهار، وأن لكل نزول صعود، وأن الشبع يأتي من بعد الجوع، وأن لا بد للنوم أن يأتي مهما طال الأرق.

رُوِي بعد أن بلغ يعقوب عليه السلام أربعين سنة فقد ابنه يوسف، ولم يستطع جسده تحمل كل هذا الألم فابيضت عيناه من الحزن، ولكن لا يزال ينتظر ابنه يوسف على أمل أن يرجع، فذات يوم من الأيام وعند عودة أبناءه من مصر بالعير، قال لهم يعقوب: إني لأجد ريح يوسف، أجابوه ضاحكين: يا أبانا مر على موت يوسف أربعين سنة وأنت لا تزال تقول يوسف ويوسف! فأجابهم بكل أمل: لا تيأسوا من روح الله! فالمسلم في حالة الكرب لا يقنط من رحمة الله، يتخذ من هذا الكرب عبرة لنفسه، ويعرف أن كل ما أصابه بقدر الله، فيصبر على ما أصابه، لكن هذا الصبر ليس بمعنى انتظار أن يأتي النصر من الله فوراً، ولا بمعنى اليأس، إنما هو بذل الانسان كل جهده ليتخلص من هذا البلاء. لنضرب لهذا الوضع مثال تيمور خان وهو مؤسس إحدى أكبر الامبراطوريات في العالم، انهزم في حربه الأولى، فمكث في مكان منعزل مشوش الفكر، هذه الهزيمة أوصلته إلى انقطاع الأمل، وأثناء ما كان حائراً بين الاستسلام والاستمرار إذا بالنمل يبصره، هذا النمل كان يحاول أن يصعد إلى جحره حاملاً حبة شعير أكبر منه حجماً. كلما صعد قليلاً تسقط منه الحبة، لكن النمل يأخذ الحب مجدداً ويصعد، هذا الوضع استمر لفترة. أثناء ذلك ترك تيمور خان كل ما يشغل فكره وأخذ يتتبع النمل حتى يعرف ماذا سيفعل، فالنمل يتسلق ويسقط ثم يقوم فيتسلق ويسقط ويتسلق ويسقط وهكذا. لكن لا يستسلم أبداً، يحاول التغلب على العقبات بعزم وصبر، وفي المحاولة الستة وثلاثين نجح في الوصول إلى جحره، عندئذ تلألأ البريق في عين تيمور خان، ووضع يده على جبهته وهو يقول: (لقد كشفت مكمن السر الآن، النمل عرفني ذلك، فسر النجاح هو المثابرة والتماسك وكسر الحواجز بالصبر والعزم).


ومنذ ذلك الحين وتيمور خان لا يزور عن هذه القاعدة، فكان مؤسس لإمبراطورية من أعظم امبراطوريات العالم.. لا ذوق للحياة بلا مشاكل، ولا قيمة لها بلا متاعب، ولا أثر لها بلا صعوبات كما أن النهار لا ذوق له بلا ليل، والفرح بلا ألم، والنجاح بلا التضحية، والعلا بلا السهر.. يا صديقي العزيز، لا تكن قانطاً عند الصعاب، لا تحبس نفسك في الظلام وسط الهموم، اعلم أن اللّيل يعقبه نهار، وأن لكل نزول صعود، وأن الشبع يأتي من بعد الجوع، وأن لا بد للنوم أن يأتي مهما طال الأرق، وأن الصحة تعود بعد الداء، ولا شك أن المسافر يعود يوماً ما، والضائع سوف يرجع والنور سيأتي بعد الظلام يوماً ما. فالنتيجة؛ تضيق وتضيق وتضيق ثم تفرج هكذا هي الحياة. كما قال الشاعر التركي عادل أرديم بايزيد - رحمه الله -؛ (أنت كالأنشودة أيها العالم، أغلب الوقت على نغمة الحزن).

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة