بثينة مقراني
بثينة مقراني
735

اصنع سعادتَك بنفسك!

30/9/2018

رُغم كلّ ما يُجابِهنا في حياتِنا من مشاكل ومصاعب وابتلاءات، إلاّ أنّنا نسعى دائمًا للبحث عمّا يرسُم البسمة على ثغرِنا ولو للحظات، لننسى به أحزاننا وآلامنا، لكن هناك من يستسلم لبؤسه ويخنع لأحزانه دون أن يبذل أدنى جهدٍ للتغلّبِ عليها. كلّنا ندري أنّ سعادتنا قرارنا وأحزاننا اختيارنا، فإمّا أن نحارب من أجل سعادتنا وإمّا أن نستسلِم للحزن والآلام. فالسعادة تنبع من ذواتِنا ونحن من نصنعها دون أن ننتظر من أحد أن يقدّمها لنا حتّى لو كانت الحياة بحد ذاتِها لأنها لن تقدمها لنا إن لم نسعى نحن وراءها ونأخذها من يدها رغمًا عن أنفها، فإن لم ننتزعها بأيدينا ونجابه كل الصعاب الّتي تحول بيننا وبينها محاولةً تعكير صوف تلك السعادة واغتصابها منّا فلا يمكن لأحد إسعادنا.


فحين نتحدثُ عن السعادة نقرنها بكلمتين اثنتين "أنا" و"القرار"، فإن لم نقرر نحن ذلك فلن نرى تلك السعادة يومًا. لماذا نضيع ساعاتنا وأيامنا وشهورنا غارقين في بحر الأحزان منتظرين يدًا تمد لتنتشلنا غير مدركين أن لا يد بإمكانها انتشالنا من دهاليز الحزن إن لم نقرر نحن ذلك. فلنسأل أنفسنا أيستحق ذاك المشكل أن نضيع العديد من اللحظات السعيدة من أجله غارقين في دموعنا؟ أسَتَمُرُّ أحزاننا إن استسلمنا لها؟ أستُحل؟

طبعًا لا، وحدنا القادرين على أن نضع لأحزاننا حدًا فإمّا أن نغوص فيها فتصبح كبحرٍ عميق نغرق فيه شيئًا فشيئًا، وإما أن نجعل منها رذاذة مطر لامست وجوهنا فلم تكلفنا سوى مسحتًا باليد لتذهب وتختفي. نعم هي كذلك، رذاذة مطرٍ إن قررنا رؤيتها بذلك الحجم وبحرٌ عميــق إن أردنا، فليستِ الأحزان من يقرّر حجمها أو لمتى ستلازِمنا بل نحن من نقرّر ذلك ولا أحد سوانا. فلو كان الحزن والبكاء على الأطلال ينفع ويعيد ما خسرناه ويخرجُنا من مشاكِلنا لكان أمرًا هينًا، فلا الفقير يغنى بحزنه ولا اليتيم يرجع أباه إن حزن.

في العطاء سعادة للقلب فلو يُجرب كلٌّ منّا إسعاد فقير وزرع البسمة على ثغره فلن تفارقه الابتسامة طيلة يومه متذكرًا تلك البسمة التي رسمها في وجه غيره

كلّنا نعلم أنّ الحياة لا تستحق، وأنّ كلّ ما نمر به من مآسي وأحزان ما هي إلاّ ابتلاءاتٌ من اللّه سُبحانه وتعالى، ألا يحقُ لله العزيز الرحيم أن يبتلي عبده إن اشتاق إليه فلا يجد ذلك العبد مسلكًا ولا مخرجًا سواه جلّ في عُلاه، كيف للعبد أن يرغب في السعادة الأبدية دون أدنى مطبات في حياته، ألا تعني تلك السعادة أنّ الله نسي عبده وتركه يلهو ويلعب في متاع الدّنيا ليعذّبه في الآخرة؟


كما أنّ سُبحانه وتعالى خصّص لنا طُرُقًا جمّة لنُسعِد بها أنفُسنا بدايةً بالصلاة في وقتها، وهي أساس السعادة فإن كنّا نتهاون عن صلاتِنا ونترُكُها تتراكم لنصليها مع بعضِها البعض فكيف لنا أن نسعد! فكما نؤخر صلاتنا يؤخر الله تعالى سعادتنا. إنّي حقًا لأتعجب من أمر تاركي الصلاة الّذي يشتكون حالهم وكثرت مشاكِلهم وأحزانهم، كيف للسعادة أن تدق بابكم وأنتم لا تركعون ولا تصلون لله ربّ العالمين! أقيموا صلاتكم كما يجبُ أولاً ثمّ اشتكوا حالكم، فلن تأتيكم السعادة وأنتم مقصرون مع الله سبحانه وتعالى لا فرق بينكم وبين الكافرين به.


ثمّ إن في العطاء سعادة للقلب أيضًا فلو يُجرب كلٌّ منّا إسعاد فقير وزرع البسمة على ثغره فلن تفارقه الابتسامة طيلة يومه متذكرًا تلك البسمة التي رسمها في وجه غيره، لأنّ اسعاد النّاس يضاعفُ من سعادتنا، كما أنّ كثرة الابتسام تزرع في الروح طاقة إيجابية وتولد فيها نشاطًا خفيًا وتفاؤلاً لا يخبو بسهولة ليس من الضروري أن تبحث عن سببٍ لتبتسِم أو شخصٍ تبتسِم في وجهه يكفي أن تبتسِم لنفسك أن ترى وجهك في المرآة وترسم تلك البسمة الّتي ستزيد من جمالِك بلا شك. عندما تستيقظُ من نومِك ابتسم، وإن مررت بيومٍ شاقٍ ابتسم مادام بيدِك الخيار فاجعل كلّ حياتِك ابتسامة تُسعِد بها غيرك ونفسك قبل كلِّ شيء.


ثمّ ماذا؟ أليس النجاح بعد كلّ عملٍ شاقٍ ومضني مملوءٍ بالصعاب له طعمٌ آخر أكثر لذة من ذاك السهل؟ أليست حلاوة النجاح في مشقته؟ فلما لا نتحمّل مشقة هذه الحياة في سبيل السعادة الأبدية، الجنّة الّتي لا مشقة فيها ولا حزن، وما أدراك ما الجنّة مقارنة بهذه الدّنيا الفانية الّتي لا تستحق منّا ولو دمعة من دموعِنا. كلّ هذا الكلام ليس تنظيرًا ولا تنمية بشرية بل هي حقيقة مطلقة جاء بها الإسلام وتعامل بها رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام.


لتكون سعيدًا وتشعر حقًا بتلك السعادة على السلام أن يملأ قلبك وروحك، أن تقتنِع بما لديك ولا تقارنه بما في يد غيرك، فلربما غيرك يملك ما ليس لديك لكنّ الشيء الأكيد أنّ بيدك ما ليس بيدِ غيرك، فليس منّا من يملك كلّ شيء في هذه الحياة، ولن تفهم ذلك إن لم تزرع القناعة في قلبك وتترك السلام يجتاح روحك، سلام الله الّذي لن يمنحه لكَ سواه، فهذه الحياة تملؤها الأمواج الّتي سخرها الله ليمتحننا بها وليختبر صبرنا، لذلك ابتسم ولا تترك سحب الحزن تتمكن من اغتصاب تلك الابتسامة الجميلة وتأكد أنّ بعد تلك السحب الحالكة ستمطر، فلا تضيع تلك اللحظاتِ بالعبوس والخنوع للأحزان بل قف شامخًا بابتسامتِك كجبلٍ لا تهزه الرياح، فوحدك من يقرر إن أردت أن تكون سعيدًا أو أن تعيش في دهاليز الحزن.. لك حرية الاختيار.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة