"الفنكوش" السياسي.. كيف يتقن الحكام بيع الوهم؟

8/9/2018

لن يكون تراجع السعودية عن طرح أرامكو محور المدونة، ولكن سنعتمده مثالا لبرامج الدول العربية التي يمكن أن تسجل تحت علامة "الفنكوش"، وهو الفيلم المصري الذي لم يكن بالنسبة لنا في وقته سوى مادة للضحك خاصة أن بطله عادل إمام محبوب الطبقة الضعيفة وقتها، قبل أن نكتشف أنه لا يبعد كثيرا عن سلالة البطل "الفنكوش". يظهر علينا كل مرة في "فقاعة سياسية" يقدم برامج اقتصادية في بيئة قحط تنموي منذ سنوات فينجذب الناس إلى برامجه ويتفاعلون معها إيجابيا ويتداولونها ويعلنون ولاءهم واستعدادهم للتضحية لمساعدة "السياسي" لتنفيذها.. هي لحظات تعيد في المواطن الروحَ وتنسيه زمن النظريات والخطط غير المدروسة، ويقول في نفسه ويروج في محيطه: الآن الأمر مختلف وعهد جديد، والأهم أن البلاد لم تُجدِب بعدُ من العظماء.

ظهر الأمير الشاب محمد بن سلمان فجأة حاملا سيف النهضة التي ستعيد السعودية إلى ما كانت عليه، ويبدو أنه كان يقصد ما يقول، فخطواته وخططه وقراراته قد تعيد بلاده فعلا إلى قرون مضت، وقد تجعلها دولة منهكة ترمم ما حاولت أن تقفز فوقه دون خطط واقعية، فقد جلس يعدد الإنجازات قبل أن يباشر تنفيذ رؤيته لسنة 2030، التي ربطها بشكل وثيق بطرح أسهم أرامكو. ويمكن للمتتبع لتصريحاته في هذا الشأن أن يلاحظ أن عملية تنمية الأوطان ليست صعبة، فيكفيك مثلا أن تفكر بأنك ستبني أكبر مطار وتطور صناعة الأسلحة وتنشئ أكبر المدن السياحية وتملك أقوى الشركات وأقوى البنوك حتى تصبح لك رؤية وتكون ولي ولي العهد ثم تقترب أكثر من العهد، ثم لن تجد حرجا وقتها في إعلان التخلي عن المشاريع لأن الرؤية كانت منعدمة أو تكاد.

تجربة محمد بن سلمان لا تختلف في كثير من تفاصيلها عن تجربة علاء مبارك في مصر وسيف الإسلام القذافي في ليبيا، وغيرهما في الوطن العربي ممن تُسلّمهم الدولة جميع الإمكانيات ويستغلونها في بيع الوهم

ذكرني الحديث عن برامجه في مايو 2017 حول أدوات تطبيق رؤية 2030 بنكتة عن مدرب كرة قدم يقول إن فريقه انهزم لأن اللاعبين لم يطبقوا الخطط، فقد رسم لهم طريقة التسجيل بأن يمرر الدفاع الكرة للاعب الوسط والذي يستلمها ويمررها للمهاجم وهذا الأخير يضعها في الشباك ثم يكررون الأمر إلى أن تنتهي المقابلة. هذا المدرب ربما لم يفهم حتى الآن سبب الهزيمة لأن خطته في نظره واضحة وبسيطة ولا تتعارض مع قوانين اللعبة، ما حصل لهذا المدرب يشبه ما يحدث لقادتنا مع فارق بسيط، وهو أن المدرب قد لا يتعمد وضع هذه الخطط الفضفاضة، فيما يتعمد أبناء حكامنا بيع الوهم لضمان ركوب قطار السلطة حاملين لافتة عليها آمال التنمية التي تنتظرها الشعوب العربية منذ الخمسينات.


بن سلمان خلال حوار متلفز قال إن رؤيته تعتمد على توفير مبالغ ضخمة (كاش كما قالها) لصندوق الاستثمارات العامة من صفقة أرامكو لقيادة عجلة الاستثمار في قطاعات لا تغامر الشركات الخاصة بالاستثمار فيها ومنها قطاع التعدين الذي سيوفر وحده ترليون دولار بينها 240 مليار دولار للذهب، فضلا عن الاستثمار في المحتوى المحلي أي توطين الصناعة التي ستوفر 230 مليار دولار بينها الصناعة العسكرية التي ستوفر 50 إلى 70 مليارا، على أن تصبح الصناعة العسكرية في السعودية قبل سنة 2030 جميعها محلية وبشروط مثل "لا صفقة سلاح بدون محتوى محلي"، يعني هذا أن منظمة مثل هيومن رايتس ووتش قد تبدأ بعد سنوات تطالب السعودية بعدم تزويد دول لا تحترم حقوق الإنسان بالسلاح.. تخيلوا! المهم أن خطة الإقلاع تتضمن أيضا أن يوجه الصندوق المسكين إلى الاستثمار في توطين صناعة السيارات والترفيه والسياحة حتى يحتفظ بنحو 15 مليار دولار تنفقها عائلات السعودية خارج البلاد.


تجربة محمد بن سلمان لا تختلف في كثير من تفاصيلها عن تجربة علاء مبارك في مصر وسيف الإسلام القذافي في ليبيا، وغيرهما في الوطن العربي ممن تُسلّمهم الدولة جميع الإمكانيات ويستغلونها في بيع الوهم وتحشيد الناس وإقامة حفلات للمبايعة والولاء، إذ ترفع شعارات ولافتات تنادي بوضع حد لشبه الدولة، كما تَعِد بدولة فيها طرقات وإضاءة وشوارع ومجارٍ حقيقية وجامعات وصناعة وكل ما يحلم به المواطن، دون أن يذكر أن شبه الدولة هذه أسسها والده وعائلته، وطبعا دون أن يقترب من الحديث عن السياسة وتأسيس نظام حكم عادل وديمقراطي وما يرتبط به.

هكذا هي حلقة الحكم في وطننا.. خليط من "فنكوش" سياسي وراثي، برامج مبنية على الإبهار، ومعارضة من ورق وإصلاحيون مزيفون إلى أن يتغير الشعب أو تتغير الفئة الحاكمة

رويترز
 

يستمر التحشيد والترويج لبرامج إصلاح الطرقات وبناء الجسور مع تعمد تغييب الحديث في السياسة وفق "أولويات المرحلة الحالة"، إلى حين امتصاص حماس الوطنيين والإصلاحيين والمطالبين بالتغيير، الذين يعينون لاحقا في مناصب للترويج للنجاح وقراءة جمالية الصورة للمشروعات المقررة إنجازها، كما ينخرطون في الدفاع بشراسة عن المستقبل المشرق وبحكم وجودهم في قلب برنامج الإصلاح يظهرون كأنهم جسم موازٍ لمؤسسات الدولة يخشاهم الشعب ومسؤولو الدولة، وهكذا يكبرون إلى أن يصبحوا قادة لا تناقش قراراتهم ويرثون طبائع بطانة والد المُصلح، لكنهم لا يملون الوعود بالتغيير إلى أن يمل الشعب الانتظار وهو يشاهد الأحلام تتبخر.

إذًا البرامج بقيت برامج لم تغادر المكاتب، هذا إذا كانت قد غادرت أصلا رأس من قالها، وقد يرثها حفيد ابن المُصلح ويطرحها لدى فئة سياسية جديدة معارضة لوالده تنشأ ضد سياسية التسويف والكذب وبقيت بعيدة عن تشويه أدوات الدولة بعد أن حصنت نفسها حتى أصبحت لها رؤية وقناعات بأن الوضع يجب أن لا يستمر.. غير أن برامج ابن المصلح هذه ليست كسابقتها والطرقات والجسور هذه المرة ليست بنفس تصميم المرات السابقة، ومن أجل المصلحة العليا للوطن يكابرون في البداية وينقسمون على أنفسهم ثم يقبلون عن اقتناع ويبدأون في العمل على رسم الخطط البرامج الإصلاحية ويتفننون في تقديم مبررات لم تخطر ببال حتى المُصلح الأكبر نفسه فينالون ترقية ويصبح كلامهم وآراؤهم غير قابلة للمناقشة ويتحكمون في رقاب الناس وأرزاقهم ويسجنون ويحررون برمشة عين. وهكذا هي حلقة الحكم في وطننا.. خليط من "فنكوش" سياسي وراثي، برامج مبنية على الإبهار، ومعارضة من ورق وإصلاحيون مزيفون إلى أن يتغير الشعب أو تتغير الفئة الحاكمة أو المعارضة أو يرث الله الأرض ومن عليها.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة