هند مسعد
هند مسعد
296

وينسلو هومر.. رسام الطبيعة الذي هذبته الحرب

8/9/2018

يُعتبر واحدًا مِن أهم رسّامي الطبيعة البحريّة في التاريخ وأحد أهم رسّامي أمريكا في القرن التاسع عشر. وينسلو هومر، 24 فبراير 1836 – 29 سبتمبر 1910، ولد في بوسطن، وبدأ حياته في رسم وطباعة الطوابع البريدية. لكنه أظهر، في سن السابعة والعشرين، نُضجًا فنيا في تناول اللوحات الزيتية والرسم بالألوان المائية، ما دفعه للتحول من صناعة الطوابع البريدية للرسم.

وفي سن الأربعين، عام 1859، افتتح هومر مرسمه الخاص في نيويورك. وحاول الانتقال بعد ذلك لأوروبا لدراسة الفن دراسة أكاديمية مُتخصصة إلا أنه عوضًا عن ذلك أُقحمَ في الحرب الأهلية الأمريكية. فوجد نفسه جنديا يُحارب في الخطوط الأمامية عوضًا عن دراسة الرسم في أوروبا.

تجربة الحرب بدورها لم تفُته كرسام. فقد قدم هومر في تلك الفترة رسومات حية للحرب الأهلية والخطوط الأمامية ومُخيمات الجنود وبورتريهات لظباط في الجيش. وفي عام 1861، وجد نفسه قد روى باللوحات والرسومات قصة الحرب الأهلية الأمريكية. وبالرغم من وعورة وخطورة الوجود على جبهات القتال، لكن تجربة الحرب ساهمت في إثقال موهبته. وقد عُرضت أعماله عن الحرب في الأكاديمية الوطنية للتصميم في الولايات المتحدة.
 

بهاء الحياة العادية VS صخب الحرب

نظرة سريعة على حياة هومر تقذف بالقارئ للإشكالية التي تُسيطر على حياة كل موهوب: دور المأساة في حياة المُبدع..! هل كان وينسلو ليصبح ما هو عليه إذ لم يدخل تجربة الحرب الأهليّة الأمريكية؟! إن أكثر ما يُميّز طريقته كرسّام، بل وما جعله أحد أيقونات الرسم في القرن التاسع عشر، هو أسلوبه الفاذ في التعبير عن النوستالجيا للماضي البسيط وأحداث الحياة اليوميّة الغريرة بشكلٍ يمنح الرائي إحساس السكينة والطمأنينة بعيدًا عن دوي المدافع ورائحة الدم وجُثث القتلى.

  

  
فشهرة هومر لا تتأتى مِن أعمال دراميّة أو مشاهد ملحميّة على غرار إدفارد مونك مثلا. وليست أيضًا نتيجة لأي خلل نفسي أو هذيان على غرار فنسنت فان جوخ. فلا نراه صور هشاشاة وضعف الإنسان الحديث في صرخة مثل مونك، ولا ترك رسالة انتحار في لوحة مليئة بالنجوم مثل فان جوخ.

البساطة، البساطة المُفرطة، البساطة التي تسيطر على أجواء كل شيء هي ما عتمده. صيادين ظفروا بسمكة ضخمة، وزوجاتهم ينتظروهم على الشاطئ، صغار يلعبن، وفتيات تمددن للقراءة، وطرح البرتقال على أشجار تظلل وتعرش على البيوت. هذا كل شيئ. شديد البساطة وفائق الجمال.

 

  
مِن أعلى اليمين، لوحة "إنذار الضباب"، لصيّاد يحمل في قاربه سمكة ضخمة. يليها، لوحة "جدار"، مدخل بيت تظلله الأشجار. أسفل يمينًا، لوحة "صبيان في المراعي"، ولدان يتسكعان وسط الخُضرة. وأخيرًا، لوحة "ضوء القمر"، مشهد طبيعي لاكتمال القمر ورجل وامرأة على الشاطئ.

في الأربع لوحات، نرى أن هومر يعكس قواعد الرسم. فعوضًا عن ملحمية لوحات العصور الوسطى أو الباروك التي امتلأت بالمواضيع الدينية والعناصر الملحمية والرغبة في العودة لملكوت الرب. يتصدر العكس تماما مسرح الحياة في لوحات هومر.

صيّادٌ رُبما جُل همه أن يبلغ الشاطئ قبل أن يُغيّم الضباب. صبية يتسكعون بين المراعي بلا هدف، لا هم بشر مُختارون ولا تراقبهم ملائكة مُجنحة. لحظة ظهيرة عادية انعكست على جدار بيت تُظلله الأشجار. أو حبيبان يتسامران على الشاطئ في ضوء القمر بلا أحداث ملحمية أو غايات ماورائية مُتجاوزة

وهو إذ يبتعد عن العائلة المُقدسة والأسرار الإلهيّة والأحزان الوجودية أو قضايا الحداثة المبدئية لم يقل أهمية عن أيقونات الفن أمثال بيكاسو ومونك وغيرهم. فهذه اللوحات تحمل أسرارها المُقدسة: مُنتهى البساطة وذروة الجمال. وربما كان ذاك ما تحتاجه أمريكا بالتحديد في ذروة الهياج الإيديولوجي والفوضى السياسية والحرب الأهلية.

في عام، 1881، غادر هومر لإنجلترا لكن لم يذع صيته هناك، فانتقل لقرية صيد صغير، كولركواتس، على الساحل الشمالي الشرق لإنجلترا. في تلك الفترة، سيطر البحر على مُجمل لوحات هومر الذي كان غزيرًا.

  

  

مِن أعلى اليمين، لوحة "الصيّادات في كولركواتس"، ثلاث نساء يحملن سلات السمك. يليها، لوحة "قارب مُغادر"، منظر طبيعي للبحر وأحد القوارب. أسفل يمينًا، لوحة "عاصفة في الأفق"، منظر طبيعي لعاصفة تُغيّم على البحر. وأخيرًا، لوحة "أين القوارب؟"، لزوجات الصيادين ينتظرن أزواجهم على التلة.

بعد الانتقال لكولركواتس، نرى أن هومر إلتزم نفس الأسلوب مِن الاهتمام باللحظات العابرة والبسيطة للحياة اليومية حتى مع تغيُّر مسرح العمل سواء برًا أو بحرًا. لايزال يُهيمن عليه حُبّ العودة للطبيعة والعيش ببساطة شديدة مُنكرًا حالة الفوضى التي تعيشها أمريكا.

لقد نجح هومر ببساطه لوحاته في عرض سرد توضيحي لما يجب أن تكون عليه الحياة، وحتى في لوحاته التي تناولت موضوع الغرق، لايزال يعرض ما يجب أن تكون عليه حياة الإنسان. ما يجب أن تكون عليه أقصى مآسيه، بعيدًا عن دوي المدافع ورائحة الدم وروع الحداثة.

  

 (لوحة "تيار تحتي" لهومر)

 
رُبما لو كان هومر كاتبًا ما اقترح علينا شكلا أفضل للنجاه مما فعله كرسام. ففيما كان النرويجي إدفارد مونك يصرخ صرخته الأيقونية. كان هومر يعرض أمامنا إحدى أسهل الوسائل الناجزة للنجاه. أن تنأى بنفسك عن كل شيء، عن كل هذا الصخب وكل تلك الفوضى. أن تلتمس دفئ الطبيعي والبسيط والعادي وتغرق فيه.

-------------------------------------------------------------------------

 

المراجع:
الموقع الشامل لوينسلو هومر: http://www.winslow-homer.com

Elizabeth Johns, Winslow Homer: The Nature of Observation, University of California Press, Berkeley, 2002,

Cooper, Helen A., Winslow Homer Watercolors, p. 16. Yale University Press

Walsh, Judith: "Innovation in Homer's Late Watercolors", Winslow Homer, page 283. National Gallery of Art, 1995.

Wood, Peter H. "Winslow Homer and the American Civil War" A lecture on Homer's painting Near Andersonville and his relationship to the Civil War. Southern Spaces, March 4, 2011.

"Winslow Homer: Making Art, Making History" Exhibition held at the Sterling and Francine Clark Art Institute in 2005. The exhibition website showcases the range of Homer's work—oil paintings, watercolors, drawings and etchings, as well as approximately 120 wood engravings and other reproductions from the Clark's collections

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة