وليد شوشة
وليد شوشة
775

سيد قطب.. الرجل القرآني

9/9/2018

"لم أجد ما أقوله للأستاذ سيد أجمل مما قاله هو لحافظ الشيرازي: لقد عشت مع "سيد" أياماً جميلة لست أدري كيف أشكره، فهذه الساعات الحلوة التي أتاحها لي لا تقدر بثمن تكافئ من ينقلك من الأيام الثقيلة الصاخبة الكئيبة، إلى جو طليق هادئ رفاف تشيع فيه الأنداء والأضواء، وترف فيه الأنسام والأصداء، ويستقبلك بالطلاقة والبشر والإيناس!"

 

لقد أخلدت - مع سيد – أتفيأ ظلال الآيات وأستروح نسماتها الندية بروح صادقة، لا تكدرها شوائب الحياة، ولا هموم العيش، ولا أحقاد الناس، ولا تفسدها كذلك غواشي القلق، ولا هموم الفكر، ولا الجدل الذهني العقيم. وما يليق - في الواقع – أن يُجزى صاحب هذا الفضل بغير الثناء المطلق والشكر الجزيل. لقد كان حظ الاستاذ سيد مع القرآن الرفعة والمكانة كما كان حظ كثيرين ممن فسروا القرآن من القدماء والمحدثين، أو ممن رتلوه مخلصين. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله تعالى يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين". رواه مسلم. ولقد عاش صاحبنا مع القرآن منذ نعومة أظافره، حفظاً وتلاوة ومعايشة وجدانية فتح الله له بها ما انغلق عن البعض. لقد أعطى القرآن كله حتى أعطاه بعضه! لقد وهبه الله نعمة معرفة القرآن، وليس من ذاق فعرف كمن سمع.


يقول رحمه الله في مقدمة الظلال: "الحياة في ظلال القرآن نعمة. نعمة لا يعرفها إلا من ذاقها. نعمة ترفع العمر وتباركه وتزكيه. والحمد لله.. لقد منَّ على بالحياة في ظلال القرآن فترة من الزمان، ذقت فيها من نعمته ما لم أذق قط في حياتي. ذقت فيها هذه النعمة التي ترفع العمر وتباركه وتزكيه. لقد عشت أسمع الله سبحانه يتحدث إلى بهذا القرآن.. أنا العبد القليل الصغير.. أي تكريم للإنسان هذا التكريم العلوي الجليل؟ أي رفعة للعمر يرفعها هذا التنزيل؟ أي مقام كريم يتفضل به على الإنسان خالقه الكريم؟".

لم ينقطع السيد عن القرآن منذ كان صغيراً، وحتى اهتداؤه لفكرته الأولي في جمع صور القرآن ونشرها لأول مرة في المقتطف عام 1939م

وفي نهاية السنة الرابعة المدرسية، ولما يبلغ الطفل العاشرة من العمر كان قد أتم حفظ القرآن. يقول تحت عنوان لقد وجدت القرآن في مقدمة التصوير الفني في القرآن: "لقد قرأت القرآن وأنا طفل صغير، لا ترقى مداركي إلى آفاق معانيه، ولا يحيط فهمي بجليل أغراضه، ولكنني كنت أجد في نفسي منه شيئاً.. تلك أيام.. ولقد مضت بذكرياتها الحلوة، وبخيالاتها الساذجة. ثم تلتها أيام، ودخلت المعاهد العلمية، فقرأت تفسير القرآن في كتب التفسير، وسمعت تفسيره من الأساتذة. ولكنني لم أجد فيما أقرأ أو أسمع ذلك القرآن اللذيذ الجميل، الذي كنت أجده في الطفولة والصبا. وعدت إلى القرآن أقرؤه في المصحف لا في كتب التفسير. وعدت أجد قرآني الجميل الحبيب؛ وأجد صوري المشوقة اللذيذة. إنها ليست في سذاجتها التي كانت هناك. لقد تغير فهمي لها، فعدت الآن أجد مراميها وأغراضها، وأعرف أنها مثل يُضرب، لا حادث يقع. ولكن سحرها ما يزال. وجاذبيتها ما تزال. الحمد لله لقد وجدت القرآن".


وفي إهدائه باكورة كتبه التصوير الفني في القرآن، إلى أمه التي كانت أول معلمة له وملهمة في طريقه إلى القرآن، يقول: "إليك يا أماه، أرفع هذا الكتاب.. لطالما تسمعت من وراء "الشيش" في القرية، للقراء يرتلون في دارنا القرآن، طوال شهر رمضان. وأنا معك – أحاول أن ألغو كالأطفال- فتردني منك إشارة حازمة، وهمسة حاسمة، فأنصت معك إلى الترتيل، وتشرب نفسي موسيقاه، وإن لم أفهم بعد معناه. وحينما نشأت بين يديك، بعثت بي إلى المدرسة الأولية في القرية، وأولى أمانيك أن يفتح الله علَّي، فأحفظ القرآن، وأن يرزقني الصوت الرخيم، فأرتله لك كل آن. ثم عدلت بي عن هذا الطريق في النهاية إلى الطريق الجديد الذي أسلكه الآن؛ بعدما تحقق لك شطر من أمانيك، فحفظت القرآن! فإليك يا أماه. ثمرة توجيهك الطويل لطفلك الصغير، ولفتاك الكبير. ولئن كان قد فاته جمال الترتيل، فعسى ألا يكون قد فاته جمال التأويل. والله يرعاكِ عنده ويرعاه".


لقد بدأ الطريق ومرجعه الوحيد في ذلك هو المصحف. يجمع الصور الفنية في القرآن، ويستعرضها ويُبين طريقة التصوير فيها، والتناسق الفني في إخراجها. ولكن ماذا رأى؟ يقول عن نفسه: "إن حقيقة جديدة تبرز لي. أن الصور في القرآن ليست جزءاً منه يختلف عن سائره، إن التصوير هو قاعدة التعبير في الكتاب الجميل. القاعدة الأساسية المتبعة في جميع الأغراض- فيما عدا غرض التشريع بطبيعة الحال- ذلك توفيق. لم أكن أتطلع إليه، حتى التقيت به! وحين انتهيت من التحضير للبحث. وجدتني أشهد في نفسي مولد القرآن من جديد. لقد وجدته كما لم أعهده من قبل أبداً. لقد كان القرآن جميلاً في نفسي. نعم. ولكن جماله كان أجزاء وتفاريق. أم اليوم فهو عندي جملة موحدة، تقوم على قاعدة خاصة، قاعدة فيها من التناسق العجيب، ما لم أكن أحلم من قبل به، وما لا أظن أحداً تصوره".


لم ينقطع السيد عن القرآن منذ كان صغيراً، وحتى اهتداؤه لفكرته الأولي في جمع صور القرآن ونشرها لأول مرة في المقتطف عام 1939م، يقول عن تلك الفترة: "ومرت السنوات وصور القرآن تخايل لي، وتتراءى فيها آثار الإعجاز الفني، وكلما عدت إليها قوي في النفس أن أتولى هذا البحث، وأن أكمله وأتوسع فيه. وظللت أعكف على القرآن بين الحين والحين، أتملى صوره الفريدة، فتزداد فكرة البحث في نفسي رسوخاً، إلى أن شاء الله أن أتوفر عليه بعد خمسة أعوام كاملة من نشر البحث الأول في مجلة المقتطف".



وبعد عشر سنين من نشر كتابه الأول، خرج كتابه الثاني تحت عنوان "مشاهد القيامة في القرآن" يقول في مقدمته: "هذا هو الكتاب الثاني في مكتبة القرآن الجديدة التي صح عزمي على إنشائها بعون الله". هذه المكتبة القرآنية المتكاملة كانت واضحة في ذهن الرجل وإن لم يُكتب له إتمامها: "وإذا وفقني الله فأصدرت الحلقات التالية من هذه المكتبة، وهي (القصة بين التوراة والقرآن) و(المنطق الوجداني في القرآن) و(أساليب العرض الفنية في القرآن) فسيجد الناس مصداق هذه القضية بين أيديهم، وتستريح إليها ضمائرهم كما استراح إليه ضميري".


ويبين منهجه في كتابه الجديد: "مشاهد القيامة. بعضها ملاحم رائعة، وبعضها مناظر شاخصة، وبعضها صور وظلال، وهذه المشاهد هي التي سنستعرضها في هذا الكتاب.. وفي اعتقادي أنني لم أصنع بهذا الكتاب وبسابقه، ولن أصنع بلواحقه، إلا أن أرد القرآن في إحساننا جديداً كما تلقاه العرب أول مرة فسحروا به أجمعين، واستوى في الإقرار بسحره المؤمنون والكافرون!" وفي بيان ختامه للمشاهد يعلن نيته عرض القرآن فيقول" "وبعد، فإني أرجو أن أكون قد وفقت في هدفي القريب من هذا الكتاب، كما أتمنى أن أوفق في الهدف البعيد الذي أرجوه من لواحقه: ذلك الهدف البعيد، هو إعادة عرض القرآن". وهذا ما سنتناوله في المقالة القادمة بإذن الله.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة