أحمد الزعبي
أحمد الزعبي
6 k

بين الكرك وبرلين المسافة صفر

24/12/2016
جغرافياً قد تبلغ المسافة بين برلين والكرك أكثر من أربعة آلاف كيلومتر، لكنها قد تؤول إلى الصفر في ذهنية "الإرهاب" المعبأ بذخيرة القناعات.. فلا فرق بين كافر ومرتد إلا بطريقة القتل وآلية التنفيذ.. 
 

في برلين يُكافئ "الإرهابي" الدولة التي استقبلته، وتركت له حرية التعبير، وحرية العمل، وسيادة القانون، ووضوح الحقوق والواجبات، وحرية الانصهار في المجتمع، فكانت المكان الأمثل لتكافؤ الفرص، بدهس مواطنيها في موسم العيد وسحق الفرح تحت عجلات الشاحنة دون أدنى مبرر للجريمة إلا أنه أشبع غزيرة الانتقام الملحّ نحو كل المدن الجميلة والأسر السعيدة..

في الكرك الأردنية لم يحتج الإرهاب إلى جواز سفر ولا إلى تأشيرة مرور، الخلية التي قامت بإطلاق النار على الأمن الأردني والمواطنين هم أبناء الأردن!

شخصياً لا أستطيع أن أفهم أي عُقد عنقودية تلك التي تتدلى من أدمغة هؤلاء التي لو رآها "فرويد "نفسه لتعقد وانحرف أيضا.. طيب إذا كانت لا تعجبك دول الكفر التي تحاول "فتحها" بشاحنة، فلماذا هربت إذن من دول "الإيمان" التي عانيت فيها من كبت التعبير، والبطالة، وفوضى القانون، والإقصاء، وغياب الفرص؟.. لم أعد أقتنع ان التطرف الديني وحده يفعل كل هذا.. ولم أعد أقتنع أن حلم قيام دولة الخلافة هو المحرّك الرئيس لجنوح وجنون العقل لدى هذه الفئة العمرية المتفجّرة.. هناك إرهاب مركّب؛ "القشرة واللب"!

في الكرك الأردنية لم يحتج الإرهاب إلى جواز سفر ولا إلى تأشيرة مرور، الخلية التي قامت بإطلاق النار على الأمن الأردني والمواطنين دون تفريق، ليسوا من المهاجرين الشرعيين ولا من غير الشرعيين إنهم أبناء المكان، أبناء المدينة، وهم يعرفون خير المعرفة أن الكرك ليست مدينة كفر ولا إلحاد "حسب إرهابي برلين"، وربما فيها من المساجد ما يفوق أي مدينة أخرى، وهم يعرفون خير المعرفة أن أهلها مسالمون يتقبّلون الآخر، فبينهم وبين أعضاء الخلية صلة قرابة ونسب وجيرة ممتدة منذ مئات السنين..

إذن لا يوجد صدمات حضارية ولا فروقات طبقية حتى نجدد مبرراً لفعلتهم.. لكنهم فجأة اكتشفوا أن أهل المدينة من المرتدّين، معلم المدرسة مرتدّ، رجل الأمن مرتد، المؤذن الذي ينادي للصلاة مرتد، الطبيب الذي يعالجه مرتد، الخبّاز الذي يستقبل الطحين من الدولة مرتد، كل من يتعامل أو يشتمّ هواء الدولة مرتد وبالتالي كل من عليها مرتدّ ولا بد من تصفيتهم جميعاً وبصلية واحدة..

التدقيق جيداً بسلوك الإرهابيين أثناء اشتباكات الكرك.. يكشف خيطاً من ثوب أحلامهم وخيالاتهم.. فبعد ان أطلقوا النار لاذوا بالقلعة.. حتى اختيارهم للقلعة كان بوشاية من العقل الباطن ليعيد أمجاد صلاح الدين في حربه ضد الصليبيين.. فالحرب في القاموس الداعشي الجديد هي حرب صليبية، والقلعة لها رمزيتها في الحرب الجديدة، لذا فكل عضو من أعضاء هذا التنظيم مجرد أن ارتدى ثوباً قصيرا وعمامة سوداء فهو يخال نفسه صلاح الدين "تحت التدريب".. ويسعى بكل جدية إلى بناء الدولة على طريقته وهواه، والتي لا مكان لها إلا في خياله، فمساحتها لا تزيد عن مساحة الظلام الذي يحمله وحدوها الدم، الدم فقط..
 

علينا أن نبحث كيف ولماذا وصل الشباب العشريني إلى هذا الفكر وهذا الحال وهذه الطريقة الإجرامية.. لماذا هم مشحونون تجاه مجتمعاتهم والمجتمعات الأخرى.

ما زلت مقتنعاً تماماَ أن التطرف الديني ليس وحده الذي اختطف قمرة العقل وصار يوجهه إلى القتل، التطرف الديني هو وسيلة التنفيذ ليس الا، هو القشرة التي يجب ان تكسو اللب الحقيقي الذي لا يمكن أن يظهر دون غطاء، تماماً مثل مكونات القنبلة البارود وحده يحتاج الى وعاء فولاذي يحويه وصاعق ومؤقت.. "اللب" "البارود" والمحرك الرئيسي هو الحقد المجتمعي، العقد النفسية، عقد عدم تقدير الذات، الفشل في فهم الحياة او اتخاذ سبيلاً ناجحاً فيها..

للأسف غالباً لا نستطيع أن نرى من يقوم بالعمليات الإرهابية إلا والدماء تغطي وجوههم والطلقات تخترق رؤوسهم، ويتولى سير التحقيق رجال أمن وحسب، لا يساعدهم فيها رجال علم اجتماع ونفس.. الرصاصة تقتل لكنها لا تعالج ولا تصحح مسار، علينا أن نبحث كيف ولماذا وصل الشباب العشريني إلى هذا الفكر وهذا الحال وهذه الطريقة الإجرامية.. لماذا هم مشحونون تجاه مجتمعاتهم والمجتمعات الأخرى والدول المتحضرة إلى هذا الحد وهم يعرفون أن موتهم لن يقيم دولة وقتل الشقيق والإنسان البريء لا يمكن أن يكون جزاءه قافلة من حور العين!..

لا بد من دراسة تحليلية نفسية معمقة لسيرهم الذاتية منذ الولادة وحتى لحظة الموت أو الاعتقال، ومتابعة تعرجّات الفشل والكبت النفسي وخيبات الأمل والحقد المتنامي وعدم التصالح مع الحياة.. هو المحرك الأساسي هو بارود التفجير.. اما التطرف الديني فقشرة الإرهاب ومخرج ضروري ومريح وسهل لتفريغ كل هذا الكبت النفسي المزمن باسم الدين أو في التظاهر للانتصار باسمه.. الإرهاب عقد عنقودية مركبة.. من النقص والاستخفاف وإضاعة الوقت أخذ جزئية واحدة في الدراسة أو عند المكافحة!

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة