أي دور لقوى الإصلاح في صناعة الرأي العام؟

1/10/2016
تحدث الكثير من الباحثين والعلماء عن نظريات متعددة في صناعة الرأي العام في العالم الغربي، ومنذ عقود لا يزال باحثونا ومثقفونا يسقطون تلك النظريات على واقعنا العربي متناسين أن منطقتنا ومن يحكمها يتقن فن الحصار والهدم على فن الانفتاح والبناء.

تفاوتت آراء الباحثين والمحليين في مسألة التأثير على الرأي العام ومدى فاعليتها في الواقع العربي، وقد ساهمت التحولات التي عاشها الإعلام العربي منذ التسعينيات في التبشير بالتأثير الإيجابي للفضائيات خاصة في الرأي العام العربي بما يخدم تغيير وإصلاح الأوضاع المزرية في المنطقة العربية ككل.

إجراءات أنظمتنا العربية وغياب قوى الإصلاح عن الإعلام يبينان أن الإعلام العربي لا يلعب ذلك الدور الإيجابي المأمول في التأثير على الرأي العام.
ثم جاءت حقبة الإنترنت وما ارتبط بها من ثورات تكنولوجية ومعلوماتية واتصالية وإعلامية، لتعزّز تصورات وآمال الباحثين والمتتبعين والإصلاحيين بشأن دور الإعلام والوسائل الاتصالية الجديدة في خلق رأي عام يصنع تغييرا وإصلاحا ويذود عنه، وقد زكّت ثروات الربيع العربي في العام 2011 هذه الآمال والتصورات.

ومع سقوط بعض الرؤوس، لا الأنظمة، وغياب قيادات ورؤى وبرامج تعزز مكاسب الربيع العربي، ومع تذبذب محاولات الإصلاح، وكبوات من تحمل المسؤولية، ومحاولات خنقه وطعنه واغتياله، ووجود بيئة متلاعِبٍ بها بخطط متنوعة وسرية وبروز ثورات مضادة، وفي ظل آلة بحث غربية متعددة ونشطة ومتفاعلة تبحث في كيفية الحفاظ على مصالح الغرب في العالم العربي، عاد السؤال ليطرح نفسه من جديد بشأن دور وسائل الإعلام العربي في مسار الإصلاح والتغيير أو الحؤول دونه، ودورها في التأثير على الرأي العام بما يعزز هذا المسار.

لقد ظل الإعلام العربي الرسمي ينتهج نفس النهج في اختيار الأخبار وغربلتها وصياغتها وفق ما يريد إيصاله من رسائل للرأي العام، ورغم أنه قدم برامج تحليلية وحوارية جديدة الشكل، فإنها بقيت محكومة في مضمونها بالرؤية القديمة للتأثير على الرأي العام وفق أجندة واضعيها.

ثم إن الأنظمة العربية لم تتنازل بعد عن الإعلام للمجتمع المدني بما فيه من أحزاب وجمعيات ورجال أعمال ونخبة، ولم تسمح إلا بجرائد أو مجلات خاصة محدودة ومحاصرة معنويا وماديا، وبإذاعات منوعات غنائية خاصة، ومن أجل الديكور والديمقراطية الشكلية تسمح الأنظمة ببعض الأخبار السريعة والوجوه الإصلاحية التي يكون تأثيرها باهتا أو عكسيا أو يمتص نقمة شعبية، بالمقابل تقوم بكل ما يلزم من أجل إبعاد الإعلام الإقليمي والدولي عن محيطها الوطني، والتشويش والتضييق عليه رغم صعوبة تواصل غالبية الشعوب العربية معه، ورغم ما يحمله من أجندات وأهداف خارجية.

ولا بد من الإشارة إلى أن عقلية الضبط والسيطرة في منطقتنا هي نفس العقلية التي تحكم عمل الدول الغربية في تعزيز سيطرتها على الإعلام ووسائل الاتصال، أقمارا اصطناعية ووكالات وقنوات وإنترنتا وغيرها، فهي تعرف أهمية القوة الناعمة في تعزيز سيطرتها وتمديدها، ودورها إلى جانب عوامل أخرى في التأثير الفعال في الرأي العام بما يخدم مصالحها.

في المقابل نجد أن الجمعيات والأحزاب المعارضة في العالم العربي ظلت مكتفية بجريدة يتيمة أو موقع إلكتروني مغمور لا يقرأ مواده إلا أفرادها وباحثون ومثقفون ومكلفون من رجال الأمن والمخابرات والسفارات، لكنها تعاني من تضييق مادي ومعنوي وتشويش دعائي أيضا. لذلك بقي تأثير قوى الإصلاح إعلاميا خافتا وباهتا، بل يكاد يكون منعدما، على عكس قوى التدمير كداعش التي أبهرت العالم بفيديوهات القتل الهمجي وغيره.

إجراءات أنظمتنا العربية وغياب قوى الإصلاح عن الإعلام يبينان أن الإعلام العربي لا يلعب ذلك الدور الإيجابي المأمول في التأثير على الرأي العام بما يخدم مسار الإصلاح السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي.. وهو ما يجعل آراء الباحثين والمتتبعين خلاصات عامة وفضفاضة علميا أو إسقاطات لتجارب الآخرين على تجاربنا هذا من جهة.

من جهة أخرى، البحوث التي تجرى لقياس الرأي العام وتأثير الإعلام ودوره تركز على الجمهور المثقف، مع استحضار أن المثقف درجات ومستويات سواء من ناحية الدرجة العلمية أو من ناحية متابعة التكوين أو البحث أو من ناحية شمولية الاطلاع والمتابعة!

فتبعا لطبيعة وإجراءات البحث، يجري التركيز على الفئة المتعلمة والمثقفة سواء كانوا طلابا أو صحافيين أو أكاديميين أو باحثين أو ناشطين وغيرهم، في حين لا تجرى بحوث على الرأي العام العادي أو "الأمي"، بما في ذلك المتعلمون الذين اكتفوا بالشهادات وبتتبع الصحافة فقط وغابوا عن بقية وسائل الإعلام كالكتب مثلا.

هذا الرأي العام العادي يمثل الأغلبية في مجتمعاتنا العربية، وهو محط التأثير والتغيير والإصلاح أو العكس، كما أنه فئة عريضة لا تسمح الأنظمة بالتواصل المباشر معها ولا بالتعامل معها عبر مختلف وسائل الإعلام، ولعل مواطني وأبناء القرى والبوادي مثال حي على أنه لا يمكن لأي ناشط بيئي أو ثقافي أو سياسي أن يتواصل معهم من دون موافقة السلطات ومراقبتها.

انتباه قوى الإصلاح حول العالم لأهمية الإنترنت والشبكات التواصلية، دفع القوى العالمية إلى التجسس على كل نقرة وتتبع آثار كل مستخدم.
وبعد أن صارت وسائل الإعلام الجديدة ساحة يتنفس منها الرأي العام المتعلم ويتواصل من خلالها فيما بينه ومع بعضٍ وجزء من الرأي العام العادي، انتبهت أنظمتنا العربية للفراغ الذي بدأت تملأه بعض قوى الإصلاح، فصنعت هي الأخرى مواقع وصفحات تفاعلية وتواصلية توجه بها من ناحية الرأي العام، ومن ناحية أخرى وضعت قوانين تحد من حرية النشر والتعبير، ناهيك عن محاكمة الصحافيين والناشطين الإلكترونيين بالقانون الجنائي وقانون "الإرهاب"!

بل إن الأنظمة التي انتبهت إلى هذه المساحات الافتراضية التواصلية ودورها الفاعل، خصصت لها "الجيش الإلكتروني" و"وحدات معالجة المعلومات" وغيرها من الهيئات والمؤسسات من أجل أن تقوم بتعقب الرأي العام وتوجيهه والتأثير فيه بما يخدم مسار الثبات والجمود بدل التقويم والإصلاح.

ولا ننسى أن القوى العالمية التي تسيطر على الإنترنت، ولم تفرط هي الأخرى في هذه الشبكة من أجل عولمة ثقافتها ورؤيتها وتعزيز سيطرتها. غير أن انتباه قوى الإصلاح حول العالم لأهمية الإنترنت والشبكات التواصلية، دفع القوى العالمية إلى التجسس على كل نقرة وتتبع آثار كل مستخدم، بعد أن وفرت شركاتها صفحات ومواقع عالمية تسمح بمعرفة التوجه الخاص لكل مستخدم والتوجه العام للرأي العام عموما، دون أن ننسى أشكال الدعاية والكذب والفوضى الخلاقة التي تقوم بها هذه القوى المسيطرة على الإنترنت وتتحكم من خلالها في الرأي العام الإلكتروني، أو تشوّش عليه على الأقل.

كل هذه المعطيات وغيرها تثير إشكاليات حقيقة لا بد من العودة لنقاشها وبحثها في إطار سؤال كبير: عن أي أدوار أو تأثيرات نتحدث من أجل إنجاح مسار التقويم والإصلاح بالعالم العربي؟...

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة