المعرفي والسياسي في النظام الإيراني: فلسفة التاريخ والمستقبل (2)

20/10/2016

تلعب فلسفة التاريخ دورا كبيرا في فهم أولويات الأمم والدول والشعوب، وقد يكون من المهم في هذا السياق استيعاب فلسفة التاريخ التي تتحكم في النظام الإيراني، وتقود خطواته نحو المستقبل، وهو ما سيعيننا على تفسير كثير من الاتجاهات الثقافية التي بها يفهم كل شعب ماضيه وواقعه ومستقبله.

والشعب الإيراني شعب ككل شعوب الأرض يحب أن يعيش ويتمتع بحياته وينجز، ولديه ثقافته وحضارته العريقة والقديمة التي تركت بصمتها في المحيط من حوله، وقد امتلك هذا الشعب  فلسفته ورؤيته للتاريخ، حيث تعكس المرويات الثقافية ومنها الشاهنامة ارتباط هذا الشعب بقياداته، وخاصة تلك التي تحمل صفات البطولة والشجاعة.

ويربط الخيال الفارسي بين أولئك الأبطال والخوارق، كما يربط بينهم وبين مقاومة العدو الخارجي، ومقاومة الظلم والحاجة الماسة للبطل المقاوم والفارس والحكيم دائما، عدا عن الأصل المقدس السماوي المتعالي لهؤلاء الأبطال بصيغة أو بأخرى، وحتى أولئك المنتمون لعامة الشعب فإنهم في الأساس ذوو صلة بالعرق الملكي، ولديهم النبوة والوحي الإلهي كذلك.

وعلى الصعيد الموازي تحدثت الأديان الفارسية عن قدوم المخلص آخر الزمان، ليحقق العدل في العالم، بل يعتقد أن اليهودية أخذت فكرة المسيا أو المسيح المخلص فيها عن الزرادشتية إبان السبي في بابل.

وفي المقابل، فإن الإمبراطورية الفارسية كانت دولة عظمى، وفي مجتمعها أرستقراطية ذات تقاليد راسخة، ولا شك في أن لديها تراثا سياسيا عريقا للغاية، نقل عنه العرب في مؤلفاتهم السياسية كثيرا، حيث تصادفك حكم الملك أنوشروان وقصصه بكثرة في هذا المجال.

تلعب فلسفة التاريخ دورا كبيرا في فهم أولويات الأمم والدول والشعوب

ولكن مع قدوم الإسلام واعتناق الفرس له والمعاملة التي واجهها الموالي من الدولة الأموية، وجد الفرس في فرضية الإمام وخاصة علي رضي الله عنه وأبنائه، بوصفه حاكما عادلا عالما حكيما مقدسا متعاليا على التاريخ ووقائعه، وفي تسلسل الإمامة في نسله، تشابها مع رؤيتهم التاريخية لتاريخهم ذاته.

وتكونت فلسفة التاريخ بصورة دورية على دورات من النبوات ثم فترات الوصاية من قبل سلسلة من الأوصياء المرتبطين بالأنبياء بصلة النسب، كما يواجه الأوصياء اختفاء قسريا وتحديات من نوع مشابه لما يواجهه الشيعة، بل تستخدم الروايات الشيعية الألفاظ المستخدمة لاضطهاد الشيعة لوصف أتباع الأوصياء.

بل حتى في حالات تكون الأمم المؤمنة كبني إسرائيل، كان الوصي يواجه صراعات مشابهة تماما في تصورها وتسلسلها لما واجهه علي رضي الله عنه في خلافته. هذه الرؤية التاريخية لم تكن تحمل للشيعة إلا الحث على الصبر واحتمال الأذى في سبيل المعتقد الذي يؤمنون به، باعتبار أن التاريخ شهد وقائع مماثبة تماما لما يواجهونه، بل تقدم الروايات المستقبلية قناعة بأن ظهور المهدي كفيل بحل كل المشاكل التي وقعت في التاريخ تجاه آل البيت.

هذه الرؤية كانت تؤدي وظيفة منح الأمل في المستقبل المشرق للجماعة الشيعية التي واجهت تحديات مختلفة، وانشقاقات داخلية على طول الخط، انتهت بحيرة أعقبت الغيبة الصغرى عام 260 هجرية، فقد طالت الغيبة وأصبح سؤال الواقع ملحا، ولكن الانتظار والمنع من التكهن بموعد ظهور الإمام، وسمح هذا باندماج الجماعة الشيعية أكثر في الوسط المحيط، مع تمايزها اعتقاديا عنه.

لكن الإشكال الأبرز في زخم الروايات المتصلة بالتاريخ والمستقبل، هو غياب السنن التاريخية والاجتماعية عنها وحضور التماثل التاريخي فقط بين الأمم وحسب، وهو ما جعل فلسفة الانتظار تهيمن، وتجد فسحة كبيرة لتضاعف من إشكالية غياب الأمة عن وظيفتها المعرفية، والميزة التي يقدمها البعد السنني تبدو في إدراك التاريخ كمجموعة من الأحداث التي تتفاعل وفقا لقوانين واضحة المعالم.

وليست كل وقائع التاريخ تجري بناء على الخوارق وظهور الأبطال فقط، بل على العكس معظم التاريخ المقدم في السياق الديني الإسلامي مؤسس على فكرة القوانين التي لا تنتزع من الوحي وحده، بل تنتزع بالتأمل في تجارب الأمم، وهذا لا يعني أن أهل السنة مجتهدون في دراسة وإدراك السنن التي تحكم التاريخ، بل على العكس تأخر تعاملهم الجاد معها وقتا طويلا حتى ظهرت المؤلفات في هذا الحقل في القرن العشرين.

واللطيف أن التراث الفارسي القديم كان غنيا بهذه المقولات التي تتناول المصائر والوقائع بما يتضمن التنبؤ بناء على قوانين واضحة، ولعل هذا مما أغرى المفكرين السياسيين المسلمين لاستقاء تلك الحكم والإفادة منها، وليس أدل على ذلك من إقبال الفرس على الفاتحين المسلمين، وذلك لإدراكهم زوال الملك الساساني لمفاسده، وقد عبروا عن ذلك في مواجهة الجيش الفارسي.

وقد قاد غياب السنن إلى مضاعفة غياب الأمة عن الفعل السياسي والاجتماعي والثقافي، كما غابت المرجعية عن الفعل السياسي للسبب ذاته عدا استثناءات قليلة تاريخيا. لكن وبعد ظهور التحدي الاستعماري والإشكالات التي واجهتها إيران ككيان، وجد الشيعة أن عليهم التحرك لحماية أنفسهم، وتدخلت المرجعية الشيعية نهاية القرن التاسع عشر لمواجهة التحدي الاستعماري لصالح الشعب ومصالحه.

غير أنها لم تتمكن على المستوى الداخلي من تقديم رؤية متكاملة تتصل بالدولة وعلاقتها بالمحيط، خاصة أن أجندة الإصلاح الداخلي السياسي اصطدمت بالعقبة المعرفية التي سبق وتناولناها المتصلة بوظيفة الأمة.

نظرية ولاية الفقيه أقالت الشعب الإيراني تماما من هذه الفاعلية، لتضع فلسفة جديدة للتاريخ مفادها أن الفعل الثوري الذي وقع ما هو إلا تهيئة لقدوم المهدي المنتظر

وبدأ المفكرون الإصلاحيون الإيرانيون على اختلافهم في التفاعل مع حقائق التاريخ، وسعى علي شريعتي إلى التخفيف من غلواء الغيبية، وتقديم صورة مقابلة للانتظار السالب، محاولا تحويل الروايات التاريخية لوسائط تبنى بها فلسفة أخرى، مستغلا الروايات الشيعية المتصلة بتاريخ الإسلام لبناء رؤية مختلفة، وظهرفي كتابات عديدة لمراجع شيعة الاتجاه نحو السنن التاريخية.

وشكلت الثورة الإسلامية في إيران انقلابا حقيقيا لصالح استعادة الشعب الإيراني لصلاحيته وقدرته على إدارة شأنه، لكن عودة نظرية ولاية الفقيه أقالت الشعب تماما من هذه الفاعلية، لتضع فلسفة جديدة للتاريخ، مفادها أن الفعل الثوري الذي وقع ما هو إلا تهيئة لقدوم المهدي المنتظر، وهذا الخط يلبس الثورة قداسة في الحدث والأشخاص المتدينين المشاركين فيها، ويطور رؤية للتاريخ والمستقبل بناء على روايات ظهور المهدي، خلافا للروايات التي تنهى الشيعة عن التحرك، وتمنعهم حتى من التنبؤ بالتوقيت.

في المقابل، يوجد تيار داخل الثورة الإسلامية ذاتها، يعتبر الأمر لا يعدو كونه فعلا بشريا اعتياديا، وقع بسنن كونية، وأن هذا الأمر لا علاقة له بخروج المهدي المنتظر، وأنه يجب التعامل فيما يتصل بالسياسة وفقا لقوانينها.

ويبدو جليا انتصار الخط الأول على الثاني وظهور تيارات أكثر تشددا، تعتبر التمهيد لظهور الإمام واجبا دينيا، وتبني تنبؤات كثيرة على هذا، وبكل أسف سيحمل هذا إرهاقا للشعب الإيراني، وإثقالا لكاهل الإخوة الشيعة بواجب ليس واجب وقتهم، ولا يمكنهم التفاعل معه إلا بمخاطرة كبيرة، يرفضها عقلاؤهم بشدة، لكن الأصوات الأعلى دائما عند السنة والشيعة هي أصوات الصدام لأنها خاوية الوفاض من حلول الواقع، لأن عدم إبصارها بقوانين التاريخ يعوقها عن تصور المقبل من الأيام.
ولعلني أعود لفحس إشكال فلسفة التاريخ عند أهل السنة بتفصيل أطول.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة